.
.
.
.

فيضانات كيرالا.. أصداء سياسية

د. ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

تشتهر ولاية كيرالا الهندية الجنوبية بجمالها الطبيعي ومناظرها الخلابة. هذه الولاية تعرضت مؤخراً لتساقطات مطرية غزيرة على نحو غير معتاد أدت إلى أسوأ فيضانات عرفتها منذ قرابة قرن من الزمن. وتسببت هذه الفيضانات في نزوح أكثر من مليون شخص، بينما نجت أعداد من السكان الآخرين لأنهم لجأوا إلى سطوح منازلهم التي أحاطت بها المياه لأيام في هذه الولاية الساحلية من دون طعام أو مياه صالح للشرب. وقد فقد أكثر من 400 شخص أرواحهم في هذه الكارثة بينما تقدر قيمة الخسائر بمليارات الروبيات.

وعلى الرغم من أن مياه الفيضانات أخذت تنحسر، إلا أن حجم الأضرار جد ضخم لدرجة أن كبير وزراء الولاية طلب من الحكومة الفيدرالية حزمة إغاثة خاصة تعادل 26 مليار روبية. ولكن صراعاً سياسياً اندلع بين الحكومتين الفيدرالية والمحلية حول تلقي المساعدة المالية من مصادر خارجية. فنظراً للخسائر المادية والبشرية الفادحة التي تكبدتها الولاية المنكوبة، أخذت عروض المساعدة تتدفق على كيرالا من مناطق مختلفة من العالم، ولاسيما من دول الخليج العربي، ذلك أن لدى كيرالا علاقات قوية جداً مع بلدان الخليج، كما أنها مرتبطة بشكل مباشر مع الاقتصادات الخليجية. فهناك أكثر من 7 ملايين هندي يعملون في بلدان الخليج على مستويات مختلفة، وفي قطاعات متنوعة من القطاع البنكي إلى البناء والقطاع العقاري. ويساهم هؤلاء الهنود سنويا ب40 مليار دولار من التحويلات المالية التي تؤثر تأثيراً مباشراً على اقتصاد البلاد. ومن أصل هؤلاء السبعة ملايين هندي، هناك نحو 2.5 مليون ينحدرون من ولاية كيرالا.

وفي مؤشر على متانة العلاقات الخاصة التي تربط الهند ببلدان الخليج العربي، بدأت المساعدات الإنسانية تتدفق من أوساط مختلفة. وإدراكاً منها لفداحة الوضع في الولاية المنكوبة، أمرت قيادة الإمارات العربية المتحدة بتشكيل لجنة طوارئ وطنية من أجل توفير الإغاثة للسكان الذين تضرروا من الفيضانات المباغتة. وفي ظرف أيام قليلة، وصلت من المجتمع الإماراتي، والمنظمات الإنسانية، والمقيمين، والشركات كمياتٌ ضخمة من مواد الإغاثة تتكون من مواد أساسية مهمة مثل القوارب المطاطية والبطانيات والمواد الغذائية، إلخ.

وإذا كان المجتمع الدولي قد هبّ لمساعدة المنكوبين، فإن جدلا تفجر في الهند حول تلقي المساعدات المالية من أجل مساعدة عملية الإعمار في كيرالا. وألحت حكومة كيرالا على ضرورة قبول مثل هذه المساعدات المالية، لأن الحكومة الفيدرالية لم تلتزم بتوفير المبلغ المطلوب. ومن جهتها، انبرت أحزاب المعارضة لانتقاد الحكومة الفيدرالية مدعيةً بأن الأخيرة لا هي قبلت المساعدات الأجنبية ولا هي أفرجت عن المبالغ المطلوبة التي تحتاجها ولاية كيرالا. واتُّهمت الحكومة الفيدرالية بالانخراط في حسابات سياسية تتعلق بالانتخابات العامة المقبلة، على حساب ضحايا الفيضانات. كما انتقدت حكومةُ كيرالا الحكومةَ الفيدرالية لأنها لم تفرج سوى عن مبالغ صغيرة. وهذا شعور يمكن الوقوف عليه في كيرالا حيث تسود مشاعر غضب لأن الحكومة الفيدرالية لم تعلن عن كميات كافية من المساعدات.

والواقع أنه في ما يتعلق بالمساعدات الخارجية، تتبع الهند سياسة معتمدة منذ وقت طويل تقضي برفض المساعدات الأجنبية عن الكوارث. ولكن هذه المرة، كان ثمة شعور واسع بأن الحكومة الفيدرالية يمكنها تغيير هذه السياسة من أجل دعم جهود إعادة الإعمار عبر إعلان كارثة وطنية. والآن ليس أمام هذه الولاية الهندية الجنوبية خيار غير اقتراض 200 مليون روبية من الحكومة الفيدرالية، التي يديرها حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، من أجل أشغال إعادة الإعمار. كما تستعد حكومة الولاية لأن تطلب من الحكومة الفيدرالية رفع سقف الاقتراض بالنسبة للولاية من 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي حالياً إلى 4.5 في المئة، وذلك من أجل مساعدة كيرالا على جمع 105 مليارات روبية من السوق.

ووفق تقرير لمؤسسة «كير»، وهي وكالة تصنيف ائتماني، فإن اقتصاد الولاية يمكن أن يتأثر بما قد يصل إلى 1 في المئة – بسبب الفيضانات – حسب «الوقت الذي ستستغرقه إعادة التأهيل/إعادة الإعمار وخاصة بالنسبة للنشاط السياحي/الترفيهي». وتشير تقديراتها إلى أن الخسائر من حيث الوظائف في أغسطس لوحده بلغت ما يعادل 40 مليار روبية.

غير أن الولاية الهندية الساحلية الجنوبية تمتلك القدرة على التعافي من الكارثة. ذلك أنها وجهة سياحية رئيسية، كثيراً ما تلقب بـ «بلاد الله» كناية عن مساحاتها الخضراء ومناظرها الطبيعية الخلابة. والعام الماضي، استقبلت كيرالا 14.6 مليون سائح داخلي وأكثر من مليون سائح دولي. وتمثل السياحة حوالي 10 في المئة من الناتج المحلي الخام. وتحرز كيرالا تقدماً سريعاً بخصوص جهود التعافي، حيث يعاد فتح طرق رئيسية عديدة حالياً بوساطة الآليات الثقيلة، لاستئناف حركة النقل مع بقية المناطق. كما أعيد هذا الأسبوع فتح مطار كوتشن الذي غمرته مياه الفيضانات واستأنفت الرحلات المنتظمة. ويشتهر سكان كيرالا بجدهم وتفانيهم في العمل. ولهذا، فإنه على الرغم من التجاذب السياسي حول موضوع المساعدات بين الحكومتين الفيدرالية والمحلية، فإن هذه الولاية الجنوبية تتعافى بشكل أسرع مما كان متوقعاً.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.