هل تقتدي إيران بصدام وتفاوض الكرد بدلاً عن قصفهم؟

مسعود الفك
مسعود الفك
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

الكرد أو الأكراد هم شعب مسلم، غالبيته من السنة ومنهم شيعة، يعيش في شمال الشرق الأوسط بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس في المنطقة التي يطلق عليها الكرد، كردستان الكبرى، وهي اليوم عبارة عن أجزاء من شمال شرقي العراق وشمال غربي إيران وشمال شرقي سوريا وجنوب شرقي تركيا.

أما الكرد في إيران الذين يشكلون حوالي 9 ملايين نسمة فإنهم لعبوا دوراً تاريخياً جلياً في وضع المداميك الأولى لبلورة الفكر القومي الكردي في المنطقة وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني أول حزب كردي حقيقي يتأسس في 24 أكتوبر 1945 في مدينة مهآباد بكردستان إيران بواسطة الزعيم التاريخي، قاضي محمد، الذي ترجم مطالب الكرد من طموحات مبعثرة إلى أفكار منظمة ومؤطرة، وفقاً لمنهج سياسي واضح المعالم يهدف إلى تأسيس كيان كردي يحافظ على الهوية الكردية ومعالم وجودها من الطمس بواسطة دولة الأمة في إيران، وقام الزعيم قاضي محمد لاحقاً في 22 يناير 1946 بتأسيس جمهورية كردستان، عاصمتها مهآباد والتي عرفت باسم "جمهورية مهآباد"، ولكن سرعان ما أبادها شاه إيران محمد رضا بهلوي بعد عام من تأسيسها وأعدم الزعيم قاضي محمد، وكان حينها الملا مصطفى بارزاني وزير الدفاع في جمهورية مهآباد الفتية، ولكن بعد انهيارها انسحب إلى العراق فأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي.

وعودة إلى الكرد في إيران، تؤكد أحداث العهد الشاهنشاهي أنهم ظلوا يقارعون السلطة الشديدة المركزية في طهران، والتي كانت تمثل الشعب الفارسي فقط دون الكرد والترك والعرب والتركمان والبلوش وغيرها من الشعوب، ومارست الاضطهاد القومي تجاه غير الفرس بما فيهم الكرد، ولكن لم تكن السلطة الشاهنشاهية تعير اهتماماً يذكر بالنزعة المذهبية الشيعية ولم تمنع الحريات الاجتماعية، واستمر الوضع على هذا المنوال حتى انتصار ثورة 1979، حيث ساهم الكرد بشكل واسع ومؤثر في الثورة التي أسقطت الشاه، مثلهم مثل سائر الشعوب في إيران، آملين في احتضان الحرية والعدالة والمساواة، ولكن سرعان ما اصطدموا بسلطة شديدة المركزية من نوع آخر، تؤكد على المذهب الشيعي أولا ثم القومية الفارسية، وبهذا أصبح الكرد ذوو الأغلبية السنية تحت اضطهاد مزدوج عرقي-طائفي، ولم يبق أمامهم إلا الاستمرار في المقاومة بوجه النظام الجديد الذي لم يتردد في اللجوء إلى العنف لإخماد ثورة الكرد وهكذا أصبح القصف الشديد للمناطق الكردية وإبادة مناطق وقرى عن بكرة أبيها وإعدامات ميدانية للبيشمركة المسلحين، كانت حصة الكرد من الثورة ولم يحصلوا حتى على ما تصرح به المادة 15 من الدستور الإيراني والتي تسمح بتعليم لغة الأم.

وبعد عقد من النضال والكر والفر في جبال كردستان الشاهقة، تلقى الدكتور عبد الرحمن قاسملو، السیاسي الجامعي وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الضوء الأخضر للتفاوض مع السلطات الإيرانية بشأن كردستان إيران فتجاوب مع بصيص الأمل ولكن اغتيل بعد وصوله في 13 تموز 1989 إلى المكان المقرر للتفاوض في فيينا عاصمة النمسا، وفي 17 سبتمبر 1992 تم اغتيال خليفته صادق شرفكندي ومعه مساعدوه الثلاثة بمقهى في برلين. ودانت محكمة ألمانية مسؤولين إيرانيين كبارا بتدبير الاغتيال، منهم المرشد علي خامنئي والرئيس الإيراني حينها هاشمي رفسنجاني ووزير الاستخبارات الإيراني وقتها علي فلاحيان ولكن نفت طهران ضلوعها في الاغتيال جملة وتفصيلا.

أنا لست من المؤيدين للأنظمة الاستبدادية القمعية، ولكن أريد هنا مقارنة سريعة بين تعاطي طهران مع القضية الكردية في إيران وتعامل عراق البعث مع قادة الكرد رغم الحروب الدموية بين الجانبين، والتي شملت القصف والدمار والخراب إلا أنه عندما سافر قائدا الكرد، مسعود بارزاني وجلال الطالباني إلى بغداد واجتمعا بصدام حسين، بعيد العمليات التي عرفت باسم الأنفال في عام 1991، فقد عادا بعد التفاوض سالمين إلى إقليمهما من دون أن يمسهما أحد، وكان صدام شخصياً التقى قبلها في 1970 بالملا مصطفى بارزاني في كردستان واعترف بالحكم الذاتي للكرد في العراق فنفذ جزءا من اتفاق الحكم الذاتي، وبقي شيء منه حبر على ورق، ولكن لم يقم النظام العراقي السابق بتصفية كبار قادة الكرد.

وقال لي ذات مرة زعيم كردي إيراني، هذا هو الفارق بين نظام الحزب الواحد اللاديني الذي يلتزم على الأقل بالمبادئ الدبلوماسية في الحوار ويعطي الأمان لخصومه ليتفاوض معهم ونظام دولة المؤسسة الدينية الذي يرى حتى في عمليات الاغتيال وتصفية خصمه الذي دعاه للتفاوض يرى فيه تصرفا قابلا للتبرير من الناحية الدينية، بل إنه إجراء مقدس بعض الأحيان.

ربما هذه العقيدة السياسية الدينية، سمحت لطهران أن تقدم يوم السبت 8 سبتمبر على استخدام صواريخ أرض أرض ضد مناطق مخصصة للأحزاب الكردية في كويسنجق بكردستان العراق فقتلت وجرحت العشرات.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يتوقع أحد أن يقدم النظام الإيراني على مراجعة أساليبه السابقة في التعاطي مع معضلاته الداخلية وخاصة معضلة القوميات من خلال تبني أسلوب الجلوس على طاولة الحوار والتفاوض بدلا من التعاطي الأمني العسكري فقط؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط