.
.
.
.

الملا جون كيري

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

أفضل لحظات وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري، كانت حينما ألقى خطابه بعد أن ضرب نظام الأسد الغوطة بالغازات السامة في عام 2013. خطاب قوي وإنساني كرَّر فيه كلمة "ونحن نعرف" ما حدث أكثر من 40 مرة، في إدانة صريحة للأسد. استخدم تعبيرات مؤثرة، مثل: إن ما حدث "فحش أخلاقي"، و"يصدم ضمير أي إنسان في العالم". ملايين البشر كانوا ينتظرون الضربة العسكرية الأميركية القادمة بمجرد أن تخرج آخر كلمة من فمه. ولكن رئيسه أوباما أخذ جولة طويلة مع كبير موظفيه في حديقة البيت الأبيض، وبدون أن يعرف كيري شيئاً قرر التراجع عن خطته، وفضَّل تعهد موسكو بتطهير خزانات الأسد من السارين. كانت دقائق قليلة من المجد وقام بعدها أوباما بقذفه تحت عجلات الباص، باص التاريخ.

كأي دبلوماسي محترف بلع كيري الإهانة، ورسم على وجهه ملامح السرور بالإنجاز الذي جنَّب العالم الحرب والدماء في اللحظة الأخيرة، وقاد المفاوضات وصرَّح بعدها لوسائل الإعلام أن سوريا خالية تماماً من الأسلحة الكيمياوية. نعرف أنها كانت خدعة حيث استمر نظام الأسد في غاراته، التي كان أشهرَها مجزرتا خان شيخون ودوما.

لم يكن هذا فصلاً مشرِّفاً في تاريخ الإدارة الأميركية السابقة بمن فيهم كيري، لكنه ذهب بعد ذلك ليقود مهمة دبلوماسية كبرى - وبحماسة هذه المرة - تمثلت في الاتفاق النووي الإيراني الذي انتهى إلى الفشل، بعد أن مزَّقه الرئيس ترمب على مرأى من العالم. وقبل الاتفاق لم توقفه الإصابات بعد سقوطه من دراجته واتكأ على العكازات، وبدا متفاخراً وهو يعرج مسابقا المفاوضين الأوروبيين لغرف الاجتماعات، محاولاً أن ينجز الاتفاق قبل مضيّ الوقت. ولم يهدأ نشاطه حتى هذا اليوم، أملاً في بعث الروح فيه من جديد. لا يزال كيري يلتقي شخصيات إيرانية في تجاوز صريح للأعراف السياسية والدبلوماسية جعلت خلفه مايك بومبيو ينتقده والسيناتور ماركو ربيو يقول إنه يتمنى أن يصبح مفاوضاً للحكومة الإيرانية، لأنه فشل في كل شيء.

في مذكراته الصادرة حديثاً بعنوان " كل يوم إضافي" يسرد كيري قصصاً عديدة مما دار داخل الغرف المغلقة ولحظات الشد والجذب مع وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، التي يعقبها المصافحات الحارة والأسارير المنفرجة أمام الكاميرات.

في واحدة من هذه القصص يذكر كيري موقفاً محتداً بين ظريف ولافروف، حينما التفت إليه الأخير وقال له متهكماً: "هل لديك صلاحيات تخولك بقبول العرض النهائي". هذه العبارة جرحت كرامة ظريف الذي وقف غاضباً واتجه إلى الباب يريد المغادرة، وقفز كيري من مكانه وحاول تطييب خاطره، متعللاً بأن الوزير الروسي لم يقصد الإهانة. ولكن رضا ظريف يجب أن يكون بثمن، وأعلنها صريحة أنه يريد مزيداً من الحلوى، أي التنازلات. وهذا ما حدث حيث عاد كيري لفريقه واسترضاه حتى يكمل المفاوضات عبر إلغاء عدد من العقوبات.

الكاتب الأميركي، إيلي ليك، أشار في مقال نشره بموقع "بلومبرغ" إلى أن القصة كلها مسرحية مدبرة بين الوزيرين الروسي والإيراني للتلاعب بكيري، لإضعاف موقفه التفاوضي وحشره في زاوية. على الغالب هذا صحيح ولكن من الواضح أيضاً أن كيري - بضغط من رئيسه - كان مستعداً لأن يلعب دور الكومبارس المغفل في المسرحية. ليس غبياً فقد كان يبحث عن مجد دبلوماسي يسجل باسمه وباسم إدارة الرئيس أوباما، التي فشلت تقريبا في كل الجبهات الخارجية.

بعض نقاد كيري يسمونه "الملا كيري"، بسبب هوسه بالاتفاق النووي والتنازلات المتكررة التي قدمها والمظاهر الدافئة في اللقاءات مع المسؤولين الإيرانيين، بالإضافة إلى زواج ابنته الكبرى فانيسا من بهروز ناهد، طبيب من أصل إيراني. كل ذلك خلق - كما يقولون - في داخله نقطة ضعف نحو أي شيء إيراني. هذه مجرد تحليلات من الصعب معرفة دقتها، إلا إذا دخلنا في عقله وتفحصنا قلبه، ولكن ميول كيري للإيرانيين وركضه خلفهم تعود لهدف شخصي بحت.

كيري طموح سياسياً، وقد حاول أن يكون رئيساً قبل ذلك وفشل. في كتابه عزى فضل صعود أوباما له ووصوله ليكون رئيساً، حينما منحه الفرصة الذهبية ليقدم خطابه الشهير في عام 2004 أثناء حملته الانتخابية للرئاسة. أخفق كيري ورأى بعدها بـ4 أعوام الحلم الذي لم يفارقه يحققه شاب شبه مغمور بلا خبرة سياسية ولا عائلة ثرية (زوجة كيري تريزا هاينز وريثة مؤسسة هاينز لصناعة الكاتشب)، لذا تتردد الأقاويل أن كيري كان يشعر أنه أحق من أوباما بمنصبه.

هوسه بالاتفاق النووي واللقاءات مع الإيرانيين التي أغضبت حتى بعض الديمقراطيين بسبب تجاوزها غير المسبوق يأتي لمصلحته الشخصية قبل أي شيء آخر. يريده إنجازاً ونجاحاً يمكن أن يضعه في السي في، يستثمره في سعيه بالمستقبل لأن يكون رئيساً. ومن الصعب عليه أن يفعل ذلك وليس في سجله إلا المحطات الفاشلة، فشل في أن يكون رئيساً ووزيراً، وأخيراً عندما حقق أكبر صفقة سياسية في حياته قام ترمب بإفسادها. ولهذا شتم كيري الغاضب ترمب قبل أيام عندما قال إن شخصيته تجمع بين المراهقة، التي تشعر بعدم الأمان، ونضج صبي في الثامنة من العمر. والواقع أنها شتائم لطيفة تقال بحق شخص قضى على مستقبلك. ورغم نفيه أنه يخطط لأن يصبح رئيساً فإن كل شيء يفعله يقول العكس. كيري يحب الملالي لأهدافه الخاصة ولكنه ليس منهم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.