.
.
.
.

أنتوني بوردين

هناء حجازي

نشر في: آخر تحديث:

أنا إحدى المعجبات بأنتوني بوردين. كنت أشاهد مجموعة من حلقات برنامجه «أماكن غير معروفة» وقلت لا بد أن أكتب عن هذا الشخص غير العادي. وبينما كنت أشاهد حفل جوائز إيمي، اكتشفت في الفقرة التي يقومون فيها بتأبين الذين ماتوا خلال السنة أنه مات منتحراً في شهر يونيه هذا العام. كان الأمر محزناً، كأنني فقدت صديقاً، هذا ما يفعله التلفزيون بنا، يعرفنا على الأشخاص لدرجة أنك تشعر أنهم أصدقاؤك. يمكنني أن أتخذ من هذا الشخص الذي يدعى أنتوني بوردين صديقاً، فقد كان خفيف الظل، مثقفاً، يحب الحياة، يحب الأكل الجيد، طباخاً ماهراً والأهم من كل ذلك، درجة الإنسانية العالية التي يتمتع بها، برامجه التي تقوم على أساس الطبخ، لم تكن تقتصر على ذلك، كان الطعام مدخلاً لبوردين كي يعرف متابعي برامجه على ثقافة البلدان التي يزورها، على المشكلات السياسية والاجتماعية التي تعاني منها الشعوب، ليس بطريقة درامية تقوم على تصوير الجانب المأساوي في الموضوع، لكن بطريقة ودودة، مليئة بالشغف والحب لمعرفة حياة الناس، ماذا يفعلون، كيف يعيشون، وكيف يطهون طعامهم.
كان منحازاً للجمال، للصدق، وحاول كما رأيت أن يغسل الصورة النمطية التي يحملها المشاهد الغربي عن أماكن يظن أنه يعرفها، شاهدت قبل عدة سنوات حلقة من برنامجه بلا تحفظات والتي صورها في جدة، بعد أن أقنعته إحدى المتابعات أن يزور جدة كي يتعرف على جمالها وعلى عادات أهلها في إعداد الطعام.
يقول في إحدى الحلقات ولأنه كان يصور في الدنمارك وكأنه يعتذر للمشاهدين أنه يصور في الدنمارك، أنه لا يحب زيارة الأماكن النظيفة البراقة المرتبة زيادة عن اللزوم. حين يزور أي بلد يقدم الجمال المختبئ، يلتقي بالأشخاص الذين يحملون نظرة مستقبلية واعدة، أشخاص ينظفون الشوارع، أو يصنعون عالمهم الخاص في مدن تتداعى. لا يحب الكذب، يجعله ذلك كئيباً وغاضباً، حدث ذلك في حلقة صورها في صقلية في إيطاليا حين حاول مضيفه أن يوهمه بأنهم يصطادون ثمار البحر الطازجة بينما هناك شخص يلقيها ميتة من قارب مجاور. كان المنظر مضحكاً بالنسبة لي، لكنه بالنسبة له كان مثيراً للقرف والغضب. أعتقد أن عقابه لهذا الشخص هو أنه قام بعرض المهزلة كاملة.
هناك الكثير من المتعة، ومن المعرفة ومن المشاعر في برامج انتوني بوردين. هناك برامج جميلة تجعلني أحب هذا الجهاز الذي ينصحوننا بالابتعاد عنه. أقول لهم، لكم. شاهدوا برامج هذا الرجل. وأقول له وداعاً يا صديقي الذي أحزنني انتحاره، سأظل أبحث عن الحلقات التي لم أشاهدها من برامجه وأستمتع بمشاهدتها.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.