«الهاوي» لكيشلوفسكي: الانشقاق عبر دروب ملتوية

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

حدث ذلك في مهرجان موسكو السينمائي عام 1980- أو ربما في العام الذي سبقه-. يومها نصحنا بعض الأصدقاء من النقاد الفرنسيين المطلعين في شكل جيّد على ما يحدث من جديد في السينما البولندية، بمشاهدة فيلم بولندي سيعرض بصورة أقرب إلى التكتم، لمخرج جديد «ربما سيكون له اسم كبير في المستقبل لو قُيّض له أن يواصل إبداعه» أضافوا هامسين. تحمسنا للأمر وشاهدنا الفيلم ليخرج بعضنا، نحن النقاد العرب، مسروراً لاكتشاف سينما جديدة تعرف كيف تشاغب على السلطات الحاكمة من دون أن تشتطّ في ذلك، والبعض الآخر مكتئباً، للسبب نفسه على أي حال. ودار نقاش بيننا لم يخلُ من حدة لينسى الأمر برمته منذ صباح اليوم التالي. لكن الفيلم نفسه لم يُنسَ. بل سيُكر أكثر وأكثر خلال السنوات التالية، لقوته ولكن أيضاً لأنه كان البداية الأولى لانطلاقة ذلك المخرج الذي سوف يصبح بالتدريج واحداً من أبرز السينمائيين المحدثين في العالم، لا سيما منذ سلك درب المنافي ليعيش آخر سنوات حياته في فرنسا خاصة، ويحقق فيها أفلاماً لا تزال إلى اليوم وبعد رحيله بأكثر من عشرين سنة تعتبر في قمة الحداثة السينمائية في تاريخ السينما المعاصرة.


> إذاً أتى عرض «الهاوي» في ذلك الحين وفي موسكو بالذات ليشكل مفاجأة مدهشة ضاعف من حدتها فوز الفيلم بجائزة من الواضح أنها أغاظت كثراً. ففي عز سنوات الجمود البريجنيفي وفي وقت كانت فيه الأنظمة الاشتراكية تعيش جموداً ستالينياً مرعباً، لم يكن أمراً عادياً أن يكرَّس ويُكرَّم في موسكو بالذات فيلم يندد عميقاً بما يحدث في ذلك الجزء من العالم. والحال أن «الهاوي» سيظل يُعتبر حتى النهاية واحداً من أكثر أفلام كريستوف كيشلوفسكي تسيّساً وغضباً، وأقلّها ميتافيزيقية وروحية. بل إنه بعد كل شيء فيلم عن السينما وقوة السينما... ولؤم الصورة، مع كونه إلى هذا فيلماً عن «الصدفة» التي ستلعب دوراً أساسياً في سينما كيشلوفسكي. فالهاوي الذي يعير عنوان الفيلم صفته، هو هنا عامل في مصنع تُهدى إليه ذات يوم لإتقانه عمله، كاميرا صغيرة يطلب إليه أن يصوّر بها حياة الناس اليومية... بغية تمجيد هذه الحياة. والرجل يطيع ويفعل ما هو «مطلوب» منه، لكن كاميراه - ومن دون إرادة منه على الأرجح -، تصوّر بالصدفة، وفي زوايا مخفية من الصور، ما يتناقض تماماً مع «الخطاب التفاؤلي» الذي كان مطلوباً منه إيصاله: تصور الفساد في أكثر مراحله إيلاماً لتقول «بالصدفة» أن الأمور ليست على ما يرام.

> عندما شاهدنا «الهاوي» في موسكو إذاً، لم نكن نعرف شيئاً عن صاحبه. لكن الرجل سرعان ما حقق أفلاماً عدة أخرى كما أشرنا. ولسوف يكون خاتمة مساره السينمائي، وحياته أيضاً، فيلم «أحمر» الذي شكّل الجزء الثالث من ثلاثيته «أزرق/ أبيض/ أحمر»، ورأى متفرجوه في كان (1996)، أن أقل ما يمكن قوله عنه، هو إنه من تلك الأفلام التي تشكل وصية مخرجيها، فتكون آخر ما يحققونه قبل أن ينتهوا، موتاً، صمتاً، أو اعتزالاً. ذلك أن كريستوف كيشلوفسكي، وصل في ذلك الفيلم إلى ما سماه أحد النقاد المولعين بأفلامه، «جوهر الفن» أي المزج بين المبدع وروايته (الشخصية الرئيسية) في لعبة فنية تمزج بين دور الفنان كبصّاص، ودوره كمبدع يعيد إنتاج الواقع صوراً يجعلها تعيد إنتاج حياة متخيّلة حلم طويلاً بأن تكون حياته. وعلى رغم أن «أحمر» كان فيلمه الأخير، وواحداً من أروع أفلامه، فإنه لم يكن الفيلم الأول الذي يعبر فيه ذلك المخرج المبدع عن نظرته تلك إلى «دور» الفن وجوهره. فالواقع أن هاجس كيشلوفسكي الأساسي والأول كان، منذ البداية، يتمحور من حول نظرة الفنان ورغبته في أن يبدع حياته وحياة الآخرين على مزاجه، فإن لم يتمكن من فعل ذلك في الواقع، يفعله في العمل الأدبي أو الفني. ولئن كان الكثير من المبدعين يعرفون هذه الحقيقة ويعبرون عنها، مباشرة، في أحاديثهم ومجالات تحليلهم لأعمالهم الفنية، فإن ميزة كيشلوفسكي الأساسية كمنت في أنه قد عبر عن ذلك، مباشرة في أفلام كانت من أروع ما عرفه الربع الأخير من القرن العشرين. أفلام اكتشفت باكراً، وتكتشف الآن أكثر وأكثر لتضع صاحبها في مكانة متقدمة جداً، بين كبار مبدعي الفن السابع في العالم.

> لقد مات كيشلوفسكي بعد شهور قليلة من إنجازه فيلم «أحمر». وبالفعل، إذن، كان ذلك الفيلم عمله الأخير ووصيته، هو الذي كان قد وصل إلى ذروة الشهرة، لدى النقاد وهواة السينما أكثر مما لدى عموم المتفرجين على أي حال، عبر سلسلة من أفلام انطلق فيها من «الوصايا العشر» ليقدم دراسة سينمائية فذة عن أخلاقيات المجتمع والبعد الميتافيزيقي لحياة الإنسان؛ باختصار لأسئلة الإنسان حول نفسه وحول الآخرين وحول علاقته بالكون. ولكن بخاصة حول الصورة، صورة الإنسان أمام ذاته وصورته أمام الآخرين. والحال أن علاقة الإنسان بالصورة، وبالتالي بالنظرة، كانت من العلاقات المؤسسة لسينما كيشلوفسكي منذ بداياتها. فهذا المخرج البولوني، المولود عام 1942، والذي تحول خلال العقد الأخير من حياته ليصبح مخرجاً أوروبياً بصورة عامة، حيث حقق آخر وأهم أفلامه في فرنسا، كما في سويسرا، كان قد عرف أول ما عرف من خلال فيلم «الهاوي»، الذي تحدث فيه، كما أشرنا أعلاه، عن موظف في شركة في بولونيا تُهدى إليه، ذات يوم تلك الكاميرا السينمائية الصغيرة التي يبدأ باستخدامها لتصوير الحفلات العائلية والمناسبات المهنية، فإذا بالصورة تكشف، من دون أن يتعمد هو ذلك، حقائق الوضع الاجتماعي ومفاسده في البلد. يومها اعتبر الفيلم ثورياً، ليس من الناحية السياسية وحسب بل كذلك من ناحية علاقة النظرة بالمجتمع، والصورة بمبدعها.

> ومنذ «الهاوي» لم يتوقف كيشلوفسكي عن العمل، وعن حب السينما. فحب السينما هو مهمته الأولى والأخيرة كما كان يقول. ويضيف أنه إذا كان الكثير من السينمائيين الجادين يأتون من الأدب أو المسرح، فإنه هو آت من السينما نفسها ومن حب الصورة. وفي هذا الإطار كان يحلو له أن يذكّر بأنه في فيلمه الجميل «حياة فيرونيكا المزودجة» قد جعل واحدة من الفتاتين اللتين تحملان اسم فيرونيكا في الفيلم تموت في الدقيقة السابعة والعشرين منه، تماماً مثلما يحدث لجانيت لي في فيلم «سايكو» لألفريد هتشكوك.

> بعد «الهاوي»، وقبل أن يبرح بولندا، في شكل متقطع وتدريجي، حقق كيشلوفسكي في بلده فيلماً ثلاثياً بعنوان «المصادفة» هو عبارة عن مباراة شطرنج رمزية تدور بين شاب وقطار.

وكان هدف المخرج من تلك المباراة القول، بكل اختصار، أن أهم ما ينبغي أن نعرفه في هذا الكون، وفي كل لحظة أننا لا نعرف شيئاً. سقراط سينمائي ما لدينا هنا. من هنا ليس صدفة أن يقول مؤرخ لسينما هذا الذي ستقضي عليه أزمة قلبية بعد أن توقف تقريباً عن العطاء الفني وهو بعد في الرابعة والخمسين من عمره، أن كيشلوفسكي لو ولد في العصر الإغريقي لكان فيلسوفاً من النوع السوفسطائي، أو لكان بالأحرى حقق المعجزة وجمع بين سقراط والسوفسطائيين.

> عندما بارح كيشلوفسكي بولندا وقد اشتدت أحداثها السياسية حدّة خلال النصف الأول من الثمانينات، حقق أول فيلم فرنسي له وهو فيلم «فيرونيكا»، وكان مهرجان كان عام 1971 قد أطلقه كواحد من كبار سينمائيي أوروبا عبر عرض فيلم «لا تقتل» (أحد الأجزاء العشرة لفيلمه عن الوصايا العشر). وفي ذلك الفيلم («فيرونيكا») تحدث المخرج عن «الموت» الموت الذي كان لا يكف عن تشكيل هاجس أساسي له منذ أيامه الأولى، وهذا الموت نفسه نجده ماثلاً في كافة أفلامه، منذ موت الفتى الصغير، ضد منطق والده الذي قال له الحاسوب أن ابنه لن يقتل إن تزحلق على البحيرة المتجلدة، في الجزء الأول من «الوصايا العشر»، إلى موت فيرونيكا، إلى موت الزوج في الجزء الأول من «أبيض، أزرق، أحمر». وحتى في الفيلم الأخير «أحمر» لئن كان القاضي البصاص المتحكم في مصائر الآخرين (جان- لوي ترانتينيان) قد خلص «شخصيتيه المخلوقتين» من الموت في المشهد الأخير من الفيلم، فإنه يبدو لنا تحت ملامح الخالق- البصاص (الفنان بامتياز) المعتزل. والاعتزال في عرف كيشلوفسكي هو الموت.

ومن هنا حين أعلن هذا الأخير اعتزاله العمل السينمائي بعد «أحمر» كان من الواضح أنه يموت بعض الشيء في انتظار موته النهائي.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط