.
.
.
.

ما وراء تلاسن ترمب ومراسل "CNN"

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

الصراع بين الصحافيين والرؤساء الجمهوريين ليس جديداً. سعوا لتمزيق صورة الرئيس نيكسون ووصفه بالسارق والأفّاق، وتجاهلوا كل منجزاته التي مازالت تؤثر على عالمنا اليوم. فتح باب النظام الدولي الذي دخلت منه الصين بعد أن خلعت رداء الشيوعية. في واقعة شهيرة، تساجل الرئيس نيكسون مع المذيع دان راذر، وتمكّن الصحافيان بوب وودورد وكارل برنستين من إجباره على الاستقالة.

وفِي الأعوام الأخيرة هاجم هذا الإعلام الرئيس بوش الابن متجاهلاً إنجازه المهم الذي خدم العالم عبر تدميره تنظيم القاعدة، أخطر التنظيمات الإرهابية في العصر الحديث. لو لم يتخذ هذه الخطوة الضرورية بعد الـ11 من سبتمبر، فعلى الأرجح أن القاعدة ستكون أقوى وزعيمها بن لادن متربعاً على عرشه في قندهار وليس جثة ممزقة ملقاة في أعماق بحر العرب. ومع ذلك، صوّره هذا الإعلام بصورة سلبية غير منصفة، مكبراً أخطاءه ومتجاهلاً حسناته.

معركة قديمة محركاتها حزبية، فهؤلاء الصحافيون يفضلون الفريق الديمقراطي على الجمهوري لأسباب اجتماعية واقتصادية داخلية. ولهذا يخف نقدهم مع أي رئيس ديمقراطي يصل للبيت الأبيض ويزيد مع الرئيس الجمهوري.
‎الجديد أن هذه المعركة دخلت مع ترمب الذي رفض بلع لسانه مرحلة مختلفة.
الرؤساء الجمهوريون السابقون يتحلّون بالتهذيب، وبزعم المحافظة على مكانة الرئاسة، ردوا على الصفعات بابتسامات. ولكنهم دفعوا ثمن ذلك من صورتهم مع غياب إعلام محافظ جماهيري يمكن أن يحميهم ويدافع عنهم.

ترمب رمى كل هذه التقاليد القديمة في سلة المهملات وقرّر أن يخوض بالوحل بنفسه ويرد على الهجوم بهجوم مضاد. وقد شكك البعض محقين أنه يرتكب خطأ قاتلاً عندما استعدى الصحافة الليبرالية اليسارية حينما كان مرشحاً، بسبب قوة الإعلام الهائلة القادرة على دفن كل من يعترض طريقها. وبعملية انتحارية قرر ترمب المواجهة وانتصر رغم كل الدعاية المضادة واصطفاف الإعلام بشكل صريح مع منافسته.

هذا الفوز غير المتوقع كشف عن جوانب عديدة. أولها أن الهجوم على ترمب المرشح بدل أن يضعفه زاد من شعبيته عند مناصريه الذين رأوه يتصدى وحيداً لكل هذه الحملات المكثفة وينتصر عليها في النهاية. كما أنهم رأوه فيه مقاتلاً عنيداً لم يسكت، مثلما فعله أسلافه الجمهوريون، عن كل الإهانات والانتقادات والشتائم التي يوجهها له أعداؤه الصحافيون الذين يصفون مناصريه بالسذاجة الريفية والعنصرية والتدين الخرافي. ورغم أن ترمب نيويوركي وثري ودنيوي غير متدين إلا أنه استطاع أن يحشد خلفه هذه الجموع الغاضبة بعدم الخضوع وتحدي النخبة المتكبرة في لوس أنجلوس ونيويورك. وقد أصاب ملايين المشاهدين بالذهول وهو يصف مذيعة شهيرة شتمته بالبقرة السمينة ويرد على هجوم هيلاري كلينتون بأنها امرأة حقيرة . لم يعرف الجمهور المحافظ مرشحاً كسر كل تقاليد الوقار والتهذيب الكلاسيكية ورد على خصومهم بنفس اللغة القاسية التي يستخدمونها.

لو انهزم ترمب فسوف نراها أغبى خطوة يمكن أن يقوم بها مرشح لأن الإعلام هو الذي يصنع صورة السياسي. ولكن فوزه قلب الموازين وأربك الصحافيين قبل غيرهم.

فوز ترمب جعله يدرك أن اللعبة الإعلامية والسياسية تغيرت وبأن الشروط التي تنطبق على سابقيه لا تنطبق عليه. رفض الاستماع لنصائح بعض مستشاريه الذين نصحوه أن يتحلى بالسمت الرئاسي ويتوقف عن التغريد وقام بالعكس معتمدا على غريزته وحدسه.

زاد من نبرة المواجهة لأنه عرف أن الصمت على هجوم الإعلاميين سيضعفه ويدمر صورته ويشوه منجزاته. وهذا ما رأيناه خلال العامين الماضيين عندما قام الإعلام بملاحقته على كل كبيرة وصغيرة وسعى ليس فقط لإحراجه وإضعافه ولكن لطرده من البيت الأبيض. لاحقوه كما تلاحق الساحرات في القرون الوسطى لإحراقه باسم التدخل الروسي وتعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا، والهدف هو التشويش على منجزاته في الاقتصاد والإطاحة به. ولكن نتائج الانتخابات النصفية الأخيرة دليل على شعبيته وقوة قاعدته الانتخابية، كما أنها كشفت أن الإعلام المعادي له لم يتمكن منه.

المثير في كل هذا أن سوق الصحافة انتعش مع هذه المباراة الحماسية التي لا تتوقف حيث زادت من المبيعات ونسبة المشاهدات وهذا سبب إضافي أيضا لتحول التغطية بشكل شبه كامل عن الرئيس الأميركي وعائلته وطعامه وعلاقاته النسائية وكل تفاصيل حياته. والتلاسن بينه وبين صحافي "سي إن إن" جيم أكوستا يأتي في هذا السياق. ترمب مستفيد انتخابياً وسياسياً من الهجوم الإعلامي عليه، والصحافيون أيضا مستفيدون جماهيرياً ومادياً من رجمه. ولكنهم قادرون فقط على جرحه وليس الإجهاز عليه. سيركع ترمب على ركبتيه إذا ضعف الاقتصاد وزادت البطالة وسيطيح به أنصاره قبل خصومه، وهذا لحد الآن يبدو بعيداً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.