.
.
.
.

انتخابات أميركا.. قراءة اجتماعية

السيد ولد أباه

نشر في: آخر تحديث:

لو توقفنا عند الأرقام المنشورة، جاز لنا القول بأن الانتخابات النصفية الأميركية الأخيرة لم تحمل أي مفاجأة كبرى، بل عززت التوازن التقليدي بين المؤسسات الدستورية بعد سنتين من حكم الرئيس في دورته الأولى. ما جرى من هذا المنظور هو ما توقعته استطلاعات الرأي من فوز الديمقراطيين في مجلس النواب واستمرار لسيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ.

بيد أن نتائج الانتخابات تتجاوز هذه المعطيات السياسية الظرفية التي لن تغير جوهرياً من تركيبة السلطة وطبيعة القرار، رغم قدرة مجلس النواب على عرقلة برامج الرئيس ترامب من البوابة المالية وتشكيل لجان التحقيق حول السجل الضريبي والمالي للرئيس وظروف انتخابه قبل سنتين. فمن الواضح أن ترامب لم يكن مطلق اليد خلال العامين الماضيين مع وجود أغلبية داعمة له في غرفتي الكونغرس، ولم يستطع تمرير تعهداته المثيرة في موضوعات الرعاية الصحية والجدار العازل مع المكسيك، وإعادة تأهيل البنية التحتية.

إن التحولات الكبرى يجب النظر إليها من الزاوية الاجتماعية السياسية العميقة التي تستدعي وقفة تحليل دقيقة، في ما وراء الاعتبارات الانتخابية الشكلية. وفي هذا السياق، يتعين التنبيه إلى أن ما جرى في الولايات المتحدة ينم عن تغير جوهري بدأت نذره ومؤشراته منذ سنوات عدة. فبخصوص الحزب الجمهوري، تتعين الإشارة إلى أن الوجوه الجديدة البارزة في الكونغرس والولايات لا تنتمي غالباً إلى النخبة الجمهورية التقليدية التي ليس الرئيس ترامب نفسه منها، بل تنحدر من الوسط الانتخابي للرئيس الذي كان له الدور الأساسي في نجاحها، بما يعني أنه أصبح الزعيم الفعلي للجمهوريين دون منازع.

ومعلوم أن الحزب الجمهوري يتبنى خياراً أيديولوجياً يجمع بين التوجه المحافظ اجتماعياً والليبرالي اقتصادياً، ويتعايش فيه جناحان، يميني ليبرالي وقومي محافظ، بيد أنه عرف في السنوات الأخيرة تحولين بارزين بصعود تيار المحافظين الجدد في عهد بوش الابن وصعود التيار الشعبوي الذي نجح ترامب بأصواته، وهو مزيج من اليمين القومي المتشدد المناوئ للهجرة والعولمة وحركية التجارة الحرة، والنزعة الدينية الرافضة لمنطق التعددية الثقافية والانفتاح الاجتماعي. إن نجاح ترامب الحقيقي هو تحوله إلى زعيم لهذين التيارين القويين في أميركا الريفية البيضاء، واللذين تقدر قاعدتهما الانتخابية الثابتة بـ 40% من الكتلة الانتخابية، فيما عبرت القيادات التقليدية للجمهوريين عن امتعاضها من خط ترامب السياسي، من أمثال بوب كوركر وجف فلاك وجون ماكين وجون بوهنر.
التحدي المطروح للحزب الجمهوري هو القدرة على الاحتفاظ بنواته الأيديولوجية والسياسية في مواجهة خطر استغراقه في الديناميكية الشعبوية الحالية التي وإنْ كانت فاعلة انتخابياً فإنه لا يمكن ترجمتها في مشروع سياسي منسجم.

أما الديمقراطيون الذين فازوا بمجلس النواب، فعبّروا بقوة عن وجه المجتمع الأميركي الجديد، في تنوعه الإثني والديني والثقافي وحتى الجنسي. وإذا كانت التحليلات قد توقفت عند النائبة اللاتينية الشابة الكسندرا كورتيز والسيدتين المسلمتين والنائبين المثليين، فإن الدلالة الاجتماعية للنتائج تتجاوز هذه المعطيات المثيرة. فواضح أن الحزب الديمقراطي الذي يجمع في خطه التقليدي بين اتجاه يساري قريب من الاشتراكية الأوروبية وتيار ليبرالي وسطي، مسّه تغير جذري مع وصول أوباما للحكم معتمداً على تحالف الأقليات الإثنية والاجتماعية مع النخب المعولمة المستفيدة من حركية التجارة الحرة. لقد فشلت هيلاري كلينتون في الاستفادة من هذا الائتلاف لاعتمادها خطاً وسطياً تقليدياً على غرار زوجها بيل وسلفه كارتر، وبدا واضحاً من النتائج الأخيرة أن الخط اليساري الراديكالي الذي مثّله السيناتور ساندرز هو الصاعد حالياً، وترمز له عشرات الوجوه الشابة التي دخلت مجلس النواب، وفي مقدمتها كورتيز التي لا يختلف خطابها عن اليسار الشعبوي الجديد في أوروبا.

المشكل الأكبر الذي سيواجه الديمقراطيين هو القدرة على بناء رؤية جماعية منسجمة في مجلس النواب، وتقديم مرشح للرئاسيات القادمة قادر على هزيمة ترامب المتحكم كلياً في قاعدته الحزبية.

في كتاب صادر مؤخراً، ذهبت الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسباوم إلى أن الصراع السياسي الحالي في أميركا يدور حول محددين نفسيين مركزيين، الخوف الاجتماعي المنتشر الذي يعبر عنه الرئيس ترامب، والأمل الذي قامت عليه حركية النموذج الأميركي وتعبر عنه الوجوه الجديدة المتنوعة التي سيكون لها أثر قوي في مستقبل الولايات المتحدة.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.