حكاية التجربة الاستثنائية.. وخلية النحل!
كنت دوماً أتساءل كيف تتم السيطرة على هذه الأعداد الغفيرة من البشر الزائرين لبيت الله الحرام داخل الحرم المكي؟! كيف يتم التعامل مع تلك الأجناس المختلفة التي تتحدث بلغات عدة؟! كيف تكون السيطرة على ملايين البشر الذين جاؤوا من بلدان وحضارات متنوعة لأداء الفريضة أو السُّنة، لا يجمعهم سوى ابتغاء رضا الله سبحانه وتعالى؟!
عشرات الأسئلة كانت تدور برأسي: كيف يتم تفادي وقوع حوادث تدافع بين كل هؤلاء الزوار أثناء الطواف حول الكعبة أو السعي والهرولة بين الصفا والمروة أو حتى عملية الدخول والخروج من وإلى صحن الطواف.. إلخ!
كانت تلك الأسئلة تدور في رأسي إلى أن جاء اليوم الذي وجدت فيه الأجوبة الشافية عن كل أسئلتي.
في الحقيقة عند زيارة الحرم المكي، فإنك لن تحتاج للبحث عن الأجوبة، بل ستأتيك هي "مهرولة" إليك لترضي فضولك.
فقد وجدت الأجوبة في معاملة رجل الأمن الذي قدم لي النصيحة في الدخول من "هذا الباب لأنه غير مزدحم عكس بقية الأبواب الأخرى"، و"سيدة" الأمن التي نصحتني بأن "أسلك هذا المسار فهو الأفضل لي"، وعامل النظافة الذي حذرني من أن أنزلق بسبب "بعض الماء المنسكب على الأرض أمامي"، وعاملة النظافة التي ساعدتني على "إيجاد مقعد صغير أرتاح عليه لبضع دقائق" قبل استئناف السعي، أو قبل إقامة الصلاة، إضافة إلى مَن أرشدني إلى الخطوات الصحيحة لأداء العمرة وما يجب علي فعله وما لا يجب علي فعله حتى لا يبطل إحرامي.. إلخ.
والغريب في الأمر أن هناك عاملا مشتركا وسمة واحدة جمعت كل هؤلاء، وهي الابتسامة في وجهك!
فبعد دخول الحرم المكي، ستكتشف أن هناك خلية نحل تعمل دون كلل أو ملل فقط من أجل خدمتك وتقديم كل المساعدة لك لإتمام زيارتك والاستمتاع بها. الكل يعرف مهامه جيداً ويحفظها عن ظهر قلب.
وبعد دخولك الحرم تكتشف أن هناك جيشاً جراراً يعمل على مدار اليوم (24 ساعة/اليوم.. 7 أيام/الأسبوع.. 30 يوما/الشهر.. 365 يوما/السنة) فقط لراحتك وتقديم الدعم لك إذا احتجت.
وعندما يحين وقت الصلاة، لا أعرف كيف يقف كل هؤلاء البشر في صفوف منتظمة، وكيف يتم تنظيمهم وفصل الرجال عن السيدات في دقائق معدودة حتى يتمكن الجميع من أداء الصلاة؟!
وبعد الانتهاء من الصلاة، تجد الدرج المؤدي للمخارج يعج بالبشر لكن في قمة الانتظام، بعضها للخارج وبعضها للداخل لتفادي التصادم أو التدافع!
أما عن النظافة فهي ككل شيء هناك "استثنائية".. يكفي القول إنه بعد قضاء ساعات داخل الحرم، بين طواف وسعي وصلاة، أفاجأ بأن قدمي الحافيتين غير متسختين!
وإذا كنت محظوظاً مثلي، فسيصادفك سقوط الأمطار أو السيول، لكنك ستفاجأ بجيش جرار يعد لك ممرات آمنة للخروج والدخول إلى الحرم لضمان عدم حدوث أي انزلاقات أو حوادث، خاصة بين كبار السن، وستندهش حين ترى أن مياه الأمطار قد تم شفطها وإزاحتها من داخل الحرم في دقائق معدودة وكأن المطر لم يسقط.
هي بالفعل تجربة استثنائية ورحلة تُحفر في القلب، تقف خلفها خلية نحل متفانية ومنظومة جبارة قادرة على السيطرة على هذه الأعداد الغفيرة من البشر.
تغادر المكان وأنت تتمنى أن تعود مرة أخرى لتعيش تلك التجربة التي لن تنساها ما حييت.