خاشقجي والحرب بين ترمب والإعلام

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تقرير وكالة الاستخبارات الأميركية "CIA" عن خاشقجي الذي سربته صحيفة الواشنطن بوست أتى موظفاً بشكل واضح في سياق الحرب الأميركية الداخلية بين الصحيفة الشهيرة والرئيس ترمب. أرادت الصحيفة إحراج الرئيس ترمب وتوفير ذخيرة حية لخصومه ليطلقوا النار على قدميه. وكذلك أرادت الإضرار بسياسته الخارجية عبر الهجوم العاصف على تحالف إدارته القوي مع الرياض.

ولكن لم يمر وقت طويل حتى اكتشفنا أن الصحيفة وقعت في أخطاء فادحة واستخدمت أساليب ملتوية لدفع التقرير صوب نتيجة حتمية واحدة. الصحيفة قالت إن هناك سبباً قوياً يدعم خلاصة تقرير "CIA" وهو اتصال السفير السعودي في واشنطن الأمير خالد بن سلمان بالصحافي خاشقجي قبل مقتله والاقتراح عليه السفر إلى إسطنبول. نعرف الآن أن هذه قصة مختلقة بالكامل ولكنها أيضاً أكثر من ذلك. المصدر المجهول لوكالة الاستخبارات سرب هذه المعلومة لمحرر الصحيفة على اعتبار أنها دليل دامغ على الجريمة المخططة من أعلى المستويات. واضح أن المحرر جائع لأي معلومة تدين القيادة السعودية وقام المصدر المجهول الذي لا يعرف شيئاً بوضعها في فمه. رغم هذا الخطأ الكبير الذي يضرب مصداقية التقرير بشكل كبير إلا أن الصحيفة استمرت في التأكيد على أن هذه هي الخلاصة والحكم الأخير وهو في النهاية مجرد تحليل من مصادر مجهولة ومبني على معلومات غير صحيحة.

لكن هل تتراجع الصحيفة وتعيد تقييم رؤيتها بعدما أعلن الرئيس الأميركي نفسه، المطّلع الأول على التقرير الحقيقي، أن ما ورد في وسائل الإعلام غير دقيق وأكد على الدور السعودي العالمي في محاربة إيران والإرهاب. وكذلك خرج وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وكرر ذات الحديث. لا يمكن أن يخرج الرئيس وكبار أعضاء إدارته ويدلون بمعلومات كاذبة أمام الرأي العام الأميركي. ومع هذا من المستبعد أن تتخذ "واشنطن بوست" موقفاً تصحيحياً لأنها أدخلت نفسها طرفاً في القضية ما يصعب عليها نقل وجهات النظر الأخرى، ومن العسير عليها أن تبتلع الحقائق الأخرى التي تقوض روايتها الأصلية.

أخطاء واضحة وأساليب ملتوية ومصادر مجهولة وتجاهل حقائق أخرى والتمسك بالرواية المفضلة رغم ظهور روايات تعارضها. هذه سمات متكررة بالمنظمات المؤدلجة وليس وسائل الإعلام التي تعتز بمثُل الحيادية والعدالة المهنية. ولكننا رأينا فوق ذلك مشاهد تدعو للسخرية المريرة. بسبب الاندفاع للهجوم على السعودية والإدارة الأميركية، تحولت تركيا أكثر مكان لسجن وقمع الصحافيين في العالم إلى بلد منافح عن الحريات وأصبحت المصادر التركية المجهولة هي مصادر وسائل الإعلام الغاضبة. المشهد الغريب الآخر هو استكتاب محمد الحوثي ليحاضر عن حرية الإعلام وهو المتسبب بقتل واختفاء عشرات الصحافيين. لا يمكن تذكر مرحلة هبطت فيها معايير الصحافة الأميركية مثلما يحدث هذه الأيام.

تعبير "التقارير الاستخباراتية" يجب أن يؤخذ بحذر لأسباب عديدة، أحدها أن البيانات المنقولة قد تكون مغلوطة بشكل كامل، أو أن المصدر مخادع ولا يملك أي معلومة موثوقة وإنما ثرثار تحوم برأسه شبهات وربما أمنيات. السبب الثاني متعلق بالانحياز الكامل، حيث يتحدث هذا المصدر المجهول لدعم وجهة نظره وليس لتأكيد الحقيقة مثلما حدث بقصة خاشقجي. وتحوم الشكوك أكثر إذا عرفنا موقف كبار رجال الاستخبارات السابقين من الرئيس ترمب مثل مديرها السابق جون برينان الذي لا ينادي أبدا ترمب بلقب الرئيس ولكن السيد، أي لا يعترف به. لا يمكن إنكار أن هناك أجواءً معادية للإدارة الأميركية وكل ما تمثله وتتحالف معه في هذه المؤسسات ومنها قد تصدر أخبار مفبركة هدفها الإضرار به وبحلفائه. قبل مدة شاهدت مقابلة مع مايكل موريل، النائب لوكالة الاستخبارات الأميركية، الكاره لكل ما يفعله الرئيس ترمب، هاجم الرئيس بسبب خروجه من اتفاقية باريس للمناخ، وأحد تبريراته أن تغير المناخ سيؤدي في المستقبل لنشوب حروب بين الدول. مبالغة لا يمكن هضمها. جعل مستقبل البشرية المناخي ونشوب حروب بربرية بحثاً عن الماء والكلأ مسؤولية رجل واحد فقط. أذكر هذا المثال من شخص كبير في الاستخبارات لأؤكد أن الأسماء الكبيرة والمهمة قد تتفوه بأتفه الكلمات، وتتحول بسرعة إلى تقارير صحافية لا يطالها الشك.

سبب آخر هو الخلاف الكبير بين ترمب ووسائل الإعلام فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. فهو ضد اتفاق إيران النووي وهم معه، هو مع دعم التحالف الاستراتيجي مع السعودية الذي حافظ على الاستقرار الإقليمي لأكثر من 70 عاماً رغم مرور العواصف وهم ضده. متفقون مع رأي الإدارة الأميركية السابقة في تقويض هذا التحالف أو إضعافه واستبداله بنظام إقليمي جديد يكون لطهران دور كبير فيه. إدارة ترمب ضد الإسلام السياسي وتراه منبع الفكر المتطرف (مستشار الأمن القومي جون بولتون يقول إن الإخوان هم الوجه المبتسم للإرهاب) وهؤلاء الإعلاميون يرون أن الإسلام السياسي هو البديل للإسلام المتطرف. اختلاف جذري على مستوى الأفكار والسياسات وعلى كل الجبهات تقريباً. لهذا فإن منطلقات هذه الحرب بين الإعلام وترمب هي منطلقات إيديولوجية بحتة ومتجذرة ويمكن أن توظف أي قضية في الطريق لإضعاف موقف الطرف الآخر إيديولوجياً ولهذا استُثمرت قضية خاشقجي وأخرجت من سياقها من أجل هز العلاقة بين واشنطن ترمب والرياض. في خطاب ترمب النهائي كان يوجه خطابه لمناصريه وليس الصحافة التي يدرك موقفها المسبق والذي لن يتغير وأكد بوضوح أن حادثة واحدة لن تضر بهذه العلاقة المهمة للعالم.

المستغربون من موقف وسائل الإعلام المعارض لترمب والتي تدين بناء على تحليلات ومقالات، لم يتابعوا هذه المعركة المستمرة بين الطرفين منذ أكثر من عامين، وتحديدا منذ فوز ترمب بترشح الحزب الجمهوري للمنافسة على الرئاسة أمام المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. أعلنت غالبية وسائل الإعلام أنها تعارض بشدة أن يكون شخصية مثل ترمب رئيسا لأميركا وستفعل أي شيء لهزيمته. انتصر ترمب وأصبح رئيسا ولكن المعركة أصبحت أكثر شراسة ومن حينها رأينا مئات التقارير التي تتهمه بالخيانة والتواطؤ مع الروس والإثراء الشخصي وغيرها من التهم. كلها قدمت على شكل حقائق ومن مصادر استخباراتية مطلعة، وعلى ذات منوال قضية خاشقجي، ولكنها لم تنته إلى إدانات حقيقية أفضت إلى الإطاحة به. في مرات كثيرة رأينا عواجل وعناوين رئيسية تعتمد على مصادر مجهولة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أيام ترمب معدودة ولكنها مجرد أمنيات وأحلام تبخرت مع الهواء.

وعلى ذات طريقة خاشقجي، الحقائق غير مهمة في هذا السياق، ولكن المهم خلق رواية ورفدها وتغذيتها بالشائعات والحكايا غير الموثوقة وتجاهل ما يقوله الطرف الآخر، وذلك من أجل تلطيخ صورة الخصم. ولهذا يمكن أن نرى السعودية مدانة بمقتل خاشقجي وترمب متواطئاً مع الروس، بغض النظر عن الحقيقة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.