انتهى زمن الانتصارات العسكرية؟

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

الانتصار يأتي بأشكال كثيرة وصور مختلفة.. لا يعني فقط الفوز والقهر والغلبة، ولا يتطلب بالضرورة العنف والقـتال وخوض المعارك.. أصبح في عصرنا الحالي يأتي بمظهر الريادة العلمية، والتقنية الصناعية، والهيمنة الاقتصادية.. إن لم تدرك هذه الحقيقة (أو ببساطة لا ترغب بإدراكها) ستحقق هزائم مخزية تشبه هزائم داعش والقاعدة - بعد انتهاء الغرض من إنشائهما.. يجب أن تدرك هذه الحقيقة كي لا تكرر هزائمك القديمة.. فمظاهر الانتصار تـتغير بتغـير العصور وتطور الثقافات. لم يعـد الغزو العسكري والاحتلال الميداني هو المظهر الأبرز للانتصار كما كان في الماضي - وانتهى تماماً بعد الحرب العالمية الثانية حين وقف العالم بحزم أمام توسع اليابان وألمانيا.
أنا أول من يعترف بأننا (حين نقرأ التاريخ) لا يسعنا سوى الإعجاب بمعارك وفتوحات أجدادنا المسلمين.. حين تقرأ عن معارك القادسية واليرموك ومؤتة لا يسعك سوى احترامهم والتعجـب من انتصارهم على جيوش أعـظـم منهـم.. لا يسعك سوى الانبهار من اكتساحهم للروم والفرس ووصولهم خلال وقت قياسي إلى حدود فرنسا والصين.. ولكن؛ هل زمننا الحالي هو زمن غـزو واحتلال وفتوحات عسكرية؟ هل تسمح التكتلات السياسية المعاصرة بتمدد أي دولـة مارقـة؟ هل ما زالت الفتوحات العسكرية تـعـني نـشـر الديـن وتحقيق مصالح المحتلين (أم أنها على العكس تماماً، تصد عن الدين وتستنزف اقتصاد الدولة المحتلة)؟
من الخطأ استنساخ التاريخ ومحاولة تكرار انتصارات الماضي في عصرنا الحاضر.. لا أدعو للتخاذل والاستسلام، بــل على العكس، أحاول التنبية إلى ظهور نوع جديد من المعارك سلاحها العـلم والتصنيع والهيمنة الاقتصادية والمعرفية.. سيوف داعـش وتفجيرات القاعدة (وإسقاط عمارتين في نيويورك) دليل ضعـف وقلة حيلة ولا يسجلها التاريخ كانتصارات مشرفة. سرعان ما ترتد مضاعفة على أصحابها كونهم الجانب الأضعف علمياً وتقنياً واقتصادياً - وبدل عمارتين في نيويورك دمرت أمريكا بلدين إسلاميين (أفغانستان والعراق).
الأمة العربية والإسلامية تدفع اليوم ثمن تمسكها بأساليب الانتصار القديمة.. من يريد نشر فكره وثقافته فـليستبدل أسلحته القديمة ويدرك تغـير مفاهيم الغلبة والانتصار.. الأسلحة الجديدة هي الريادة العلمية والاقتصادية والإعلامية - والانتصار يعـني احتلال عقول الأمم الأخرى من خلال القوة الثقافية والفكرية الناعمة..
وحتى في هذه الحالة لن يهتم العالم بقوتك الناعمة ما لـم يرَ فيك نموذجاً يحـتذى..

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.