.
.
.
.

"طار البلد".. نصفق والدم يسيل من فمنا

يارا الأندري

نشر في: آخر تحديث:

من فستان فنانة في مصر، ظهرت "سيقانها"، وإذلال أحد الضيوف في برنامج اجتماعي على الهواء فقط لأنه متحول، إلى محاولة تبرير مقتل مذيع بريطاني في لبنان، لألف سبب وسبب يتعلق بحياته الشخصية، تعبنا من "التفاهات" التي تستنزفنا، وتؤكد يوميا ثقافة الظلام، و"أبلسة" الآخر، وتثبت أننا شعوب لم تصل بعد إلى حالة نضج، والاستيعاب أنك "أيها المواطن العربي" لست وحدك على حق!

ففي صميم كل منا مراقب متربص، داعشي صغير.

انشغل لبنان على مدى أيام بحرب تصريحات بين نائب وفنان، أغنية أزعجت الأول، فرد قائلا "هيدا الفنان لازم راْسه يطير"!

عبارة أسالت لعاب "الناشطين"، وأتت شحمة على فطيرة للمغني المشهور، هزت بلداً بأمة أبيه، لم يرف له جفن لكم المتاعب الغارق فيها.
ثارت حفيظة الثوار، قبضوا على الزناد، لبنان لا يمكن أن يطير، لكن "قطعة السماء هذه" هزتها أغنية!

مهزلة... وأكثر

بلد عُلّق مصيره على حكومة لم تولد لأشهر، بلد ما زال يجتر أزماته من كهرباء، وشيخوخة، طبابة، تعليم، بيئة، اقتصاد، واللائحة تطول، لسنوات طوال، لم يحفز همم المتحمسين!

إلا أن أغنية فعلت فعلها.

بعيدًا عن حمى الحملات التخوينية، "الداعشية" المتبادلة، لا شك أن النائب لم يقصد حرفياً قطع رأس الفنان، كل المتحمسين يدركون هذا، لكنها فرصة علينا تحيّنها، من أجل إطلاق الألسن، والشتائم، والعواء الفارغ، وكأن البلاد بألف خير، وجل ما ينقصه قليل من "الأكشن".

لا شك أن حرية التعبير مقدسة، وهنا خطيئة النائب، إلا أن الفنان لم يقصّر أيضاً، بل فاض "نرجسية".

في إحدى المقابلات قال "أنا سأبقى لمئة سنة... توّجني الشعب اللبناني فناناَ..."، مئة سنة يا جماعة.. "خدنا بحلمك يا كبير"؟!

ثم تساءل محقاً "ماذا قدم هذا النائب للبلد؟".

سؤال مشروع، ولكن مهلاً، ماذا قدمت كل الأطراف السياسية الحالية (والسابقة أيضاً بما أنها ممسكة بالسلطة على مدى حقبات ممتدة)؟

لربما فات النواب والفنانون على السواء أنهم يستطيعون أي ساعة دخول المستشفى، دون أن يفكروا بالفاتورة، لم ينتبهوا إلى أن أولادهم يرتادون أرقى المدارس والجامعات، وأنهم لم يجرّبوا يوماً الصعود في باص، أو الانتظار تحت المطر على قارعة الطريق. لا يدركون ما معنى أن تترقب آخر الشهر، أو "تتشلع" لأنك لم تتمكن من إطعام أولادك أو إرسالهم للمدارس.

لم يعوا ما معنى أن تبكي أمٌ لفراق ابن هاجر بحثاً عن عمل، حاملاً شهادة هندسة أو طب أو رسم أو غيرها.

هؤلاء لم يجربوا يوماً ذل الانتظار على أبواب الحكام من أجل واسطة.

لم يلمسوا حرقة البحث عن عمل، أو تبويس اللحى من أجل دخول المستشفى.

لم يعيشوا يوم ذل وقهر وعوز. لم يمسحوا جبين أب انهار من وطأة نهار مضن.

هؤلاء في صف واحد، والشعب في دفة أخرى، إلا أنه يصفق، لاحساً المبرد، والدم يسيل مع لعابه من فمه!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.