.
.
.
.

ما هو أهم من التلاسن بين ترمب وتيلرسون

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركي السابق، غير معجب بالحكمة الشهيرة القائلة: لا تلقي حجراً في البئر الذي شربت منه. فقد تصرف على العكس منها مرتين. الأولى حينما شكك بعقل وأخلاق رئيسه أثناء توليه المنصب (نفاها حينها) وكررها مرة ثانية قبل أيام في جلسة حوارية معه في هيوستن.

تيلرسون الممرور من تجربته السيئة في الوزارة وطريقة عزله بتغريدة، قال أشياء معروفة عن ترمب هو أنه لا يحب القراءة ويفضل عليها مشاهدة المحطات الإخبارية ولا يطيق الاستماع للإيجازات اليومية. لكنه قال شيئاً جديداً وهو أن رئيسه طلب منه أن يخرق القانون، ولكن لم يحدد ماهي الطلبات تحديداً ما جعل الاتهامات بلا أهمية أو تداعيات قانونية. وقد رد ترمب عليه بوصفه بالغبي والكسول، ولكن هاتان الصفتان لا تنطبقان عليه. خلال توليه المنصب كان تيلرسون نشيطاً يهيم على وجهه في كل مكان ولكن بلا إنجازات ملموسة وبالطبع هو أحد كبار رجال النفط مما ينفي عنه صفة الغباء.

دراما الشتائم المتبادلة تخطف الأنظار عن القضية الأهم وربما الأقل جاذبية وهي الفروقات بين وزير ترمب الأول ووزيره الثاني، بومبيو، الذي أهال عليه المديح ليغيظ تيلرسون. كيف يريان العالم وماهي عقائدهما السياسية؟. وأيضا كيف يفكر ترمب وماذا يريد فيما يتعلق بالسياسة الخارجية؟.

ترمب كان ناريا وواضحا فيما يتعلق بالسياسة الداخلية. محاربة الهجرة غير الشرعية وخفض الضرائب المرتفعة وحماية الحدود المخترقة والدفاع عن العمال المستضعفين. في السياسة الخارجية أتت خطاباته أقل وضوحاً. متضادة ومتناقضة. يثير قلق أصدقائه في خطاب ويريحهم في مقابلة تلحقها. لكن تعييناته للقيادات رسم بعض الملامح لهذه السياسة الخارجية. شخصيات جمهورية تقليدية تؤمن بالنظام الدولي الأميركي وتوثيق التحالف مع الأصدقاء ومحاربة الأنظمة المارقة. ولكن هذا يطرح سؤالا: إذا كان ترمب يفكر بهذه الطريقة لماذا اختار شخصاً يعانده ومناهضاً لأفكاره مثل تيلرسون؟

كانت هناك مجرد تخمينات وظنون. قيل إن تيلرسون لم يعرف السياسة أو الدبلوماسية سابقاً وهذه التي يبدو أنها نقطة ضده عدها ترمب لصالحه. فقد قرر الرئيس غير التقليدي اختيار وزير للخارجية غير تقليدي. يحمل أفكارا جديدة ومقاربات غير متوقعة. قول آخر هو أن تيلرسون قادر على استغلال علاقاته الواسعة بحكم عمله في صناعة النفط لعقد اتفاقيات مع زعماء تربطه بهم روابط معرفة وتجارة قديمة. وأخيرا هناك من أعلن أن تعيينه الغريب هو مكافأة للصداقة بين الرجلين ورد للجميل بين الأصدقاء.

كل هذه التخمينات تبخرت مع الهواء. تبين بعد ذلك أنهما ليسا صديقين والداعي للاستغراب أن ترمب لم يلتقه قبل أن يحصل على الوظيفة. وتبين أن تيلرسون لا يملك خصال شخصية أو علاقات قوية تجعله يُحدث اختراقات دبلوماسية على الطريقة الكسينجرية. وعلى المستوى الشخصي لم يكن ودودا وساحرا ولكن يظهر بتعبير واحد متجهماً لا يتغير مهما تغيرت المناسبات.

ولكن الأهم من كل هذا هو طريقة تفكيره في السياسة الخارجية. تعارض تماماً نهج إدارة ترمب وعقيدة رجاله. لم يكن متحمساً للمواجهة مع النظام الإيراني ونجح في إجهاض محاولتين لترمب لكي يمزق الاتفاق النووي. وعارض رئيسه فيما يتعلق بعقد صفقة مع كوريا الشمالية. وفي الوقت الذي بدا فيه أعضاء ترمب شخصيات جمهورية وصقورية تؤمن بفكرة النظام الأميركي، بدا الوزير السابق صقراً كهلاً نكداً لا يريد أن يملي عليه أحد ما يفعل حتى لو كان رئيسه. وبسبب هذه الانقسامات الإيديولوجية رأينا الخلافات العميقة والعلنية بين الرئيس ووزيره، ومن المرجح أنه لو كان تيلرسون الآن على رأس عمله لشاهدنا عالماً مختلفاً لن تكون فيه طهران محاصرة ومختنقة كما هي اليوم. ليس لأنه سيئ أو غبي أو غير نشيط كما قال ترمب، ولكن لأنه يرى العالم من زاوية مختلفة.

وبعد ذلك اختار ترمب مايك بومبيو وزيراً للخارجية ومن حينها رأينا خطاباً سياسياً متسقاً وفعالاً للإدارة. ومن يتابع بومبيو يدرك أنه ليس فقط سياسيا مجربا ولكنه مؤمن بعمق بالعقيدة الجمهورية التقليدية بشكل أكثر من ترمب الذي قضى جزءا كبيرا من عمره في عالم المال والأعمال. ويبدو أنه أثر على رئيسه وزاد من اطلاعه وإيمانه بهذا الموضوع الحيوي والمهم لاستقرار العالم. ومن يقرأ مواقف وزير الخارجية الأميركي من مواضيع مثل إيران يدرك أهمية هذه المواقف القوية والواضحة في الوقوف بوجه الأعداء، والاصطفاف مع الأصدقاء حتى في الأوقات الحرجة. كل هذا ساهم في تشكيل النظام الدولي الذي انهار بعد الحرب العالمية الثانية ونجحت الولايات المتحدة مع حلفائها بإعادته للحياة وحمايته لأكثر من 70 عاماً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.