.
.
.
.

«حكايات خرافية» لليسنغ: تلك الحيوانات المفكّرة الحكيمة

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

منذ خرافات إيسوب التي كانت من أبرز الأعمال الشعرية الوعظية الرمزية في العصور القديمة، حتى جورج أورويل في واحد من أشهر كتبه «مزرعة الحيوانات»، مروراً بالكتاب الشرقي الأصل، والذي يشكل جزءاً أساسياً من التراث العربي منذ أزمان طويلة، «كليلة ودمنة»، والذي جمعه وصاغه ابن المقفّع ليصبح أحد الأعمال الأدبية الرئيسية في التراث العربي، كما بحكايات جان دي لافونتين، ومحاكاة شاعرنا العربي الكبير، من أصل كردي، أحمد شوقي لها، لا سيما في «الشوقيّات»، كثيراً ما استخدم الكتّاب، الحيوان ناطقاً باسم أفكارهم وآرائهم ونصائحهم الى إخوانهم البشر. ونعرف أن هذا الاستخدام الموارب الى حدّ ما، للحيوان كان على الدوام حلاً أدبياً - وأحياناً رقابياً - سهلاً، إذ من خلال رواية ما يحدث في أوساط الحيوان، وما يتم تناقله على ألسنة الحيوانات على مختلف أنواعها، يتمكن الكتّاب من التعبير عن حياة البشر وصراعاتهم نفسها، في منأى من الاضطرار الى خوض المسألة من خلال هؤلاء البشر.

> وإذا كان قد جرى الربط دائماً بين «أدب الحيوان» هذا، وبين الآداب الموجهة الى الصغار، فإن هذا الربط خدّاع، لأن المسائل أكثر تعقيداً بكثير، حتى وإن كانت تلخيصات وضروب تبسيط مختلفة لنصوص الأدب الحيواني، قد خدمت في أن تكون حكايات موجهة الى الصغار. وحتى في هذا المجال، لن يفوتنا أن نتنبه الى أن معظم هذه الحكايات التي تقوم الحيوانات، أليفة أو غير أليفة، ببطولتها، كانت ولا تزال، الأكثر اجتذاباً لاهتمام الطفل وإعجابه... ولا يشذ القرن العشرون عن هذا، إذ حسبنا أن نتذكر مملكة والت ديزني وحيوانات أفلامه، لنتيقن من هذا، كما أن في إمكاننا أن نتذكر في شكل أقرب إلينا سلسلة أفلام «شْريك» التحريكية التي وصلت الى أكبر المهرجانات السينمائية العالمية والى جوائزها، وصولاً الى الفيلم الكوري «أوكيا» الذي أثار ضجة كبرى حين عُرض في مسابقة مهرجان «كان» في العام الفائت، جاعلاً من حيوان ضخم، ليس فقط بطلاً له، بل ضمانة أخلاقية في وجه بشر فاسدين!

> وإذا كنا في هذا السياق ذكرنا الإغريق والرومان، والآداب الشرقية والفرنسية وصولاً الى السينما الأميركية والكورية، فإن ما يمكن ذكره أيضاً هو أن الأدب الألماني أنتج الكثير من هذه الأعمال. وحسبنا هنا التذكير بمعظم أعمال الأخوين غريم، كما بالأساطير القديمة ومنها تلك التي اقتبس منها ريتشارد فاغنر بعض أوبراته الكبرى. لكن العمل الألماني الأبرز في هذا المجال يبقى تلك الحكايات الحيوانية المعروفة باسم «حكايات ليسنغ»، على غرار «حكايات لافونتين». وهذه القرابة ليست مصادفة في هذا السياق، إذ نعرف أن الكاتب والمفكر الألماني ليسنغ، إنما صاغ حكاياته، أو أقسامها الأولى على الأقل، على غرار نصوص زميله الفرنسي لافونتين. ولكن لماذا أقسامها الأولى؟ في كل بساطة، وكما يخبرنا ليسنغ نفسه في مقدمة عمله الشهير هذا، لأن الكاتب الألماني، بعدما كتب الكثير من الخرافات حاذياً في ذلك حذو الشاعر الفرنسي، اكتشف أن ليس في إمكانه أن يسير على منواله حتى النهاية، إذ تبيّن له بكل وضوح أن لافونتين، «يظل واقفاً عند حدود السطحية»، و»الفهم التبسيطي للحكاية»، «غير قادر على تجاوز ذلك السطح الى جوهر الحكاية نفسه». فبعد كل شيء، لافونتين كان كاتباً وشاعراً، لكنه لم يكن فيلسوفاً، حتى وإن طغت الموعظة والحكمة الحسنة على كتاباته. أما ليسنغ فمفكر وكاتب، بل إنه في الكثير من أعماله يُعتبر من كبار فلاسفة التنوير الألمان، حتى وإن كان قد تميّز عن كثر من أقرانه المفكرين الألمان وغير الألمان بخوضه في الأدب والمسرح، الى جانب خوضه في الفكر الفلسفي وفي الكتابات الأخلاقية.

> ومن هنا إذاً، في مقابل عمل لافونتين الذي هو نتاج قلم شاعر وأديب يدعو الى الأخلاق الطيّبة والاعتبار في الحياة، يعتبر عمل ليسنغ عمل فيلسوف ومفكر لا تشكل الأخلاق همّه الرئيس وإن لم تكن غائبة عن أعماله على الإطلاق. وعلى هذا النحو، شدد ليسنغ في مقدمة كتابه، كما شدد في ملاحق الكتاب على تحليل عمله والتعمق في تفسيره وتبيان الفوارق بينه وبين نتاجات لافونتين.

> نشر ليسنغ كتابه «الخرافات» للمرة الأولى في العام 1759... وهو منذ طبعته الأولى تلك، أرفق الكتاب بتمهيد وصف فيه مسيرة تكوين الكتاب، مؤكداً أنه اتخذ من لافونتين وحكاياته نموذجاً يسير على هديه لبعض الوقت: «غير أنني سرعان ما تخليت عن هذا النموذج، إذ رأيت أنه يخرج عن الدرب الصحيح والمنطقي، لأتبع هذه المرة خطى إيسوب - سيد هذا النوع من دون منازع -، على اعتبار أن إيسوب كان من أفضل الذين فهموا حقاً جوهر هذا النوع من الحكايات». إذ في الوقت الذي «اهتم الشاعر الفرنسي بمضمون الحكاية ثم أكثر من هذا في شكل النص وغنائية أشعاره، اهتم إيسوب بجوهرها ودلالتها العميقة». وكما أشرنا، فإن ليسنغ لا يكتفي بهذه المقدمة، بل إنه سرعان ما يحيل قارئه على الملاحق حيث يسهب، هنا، عبر فصول في غاية الأهمية، في تعريف الحكاية الخرافية، من هذا النوع، مميزاً بين «الخرافة البسيطة» التي تولد من رحم حدث مبتكر - أو مخترع - لكي تصل الى تأكيد ما يسميه ليسنغ «حقيقة عامة»، وبين «الخرافة المركبة»التي تنطلق عادة من معطى حقيقي، أو قابل لأن يكون حقيقياً - وفي الحالين يتوجب على الكاتب - المفكر الحقيقي والذي يريد لعمله أن يكون أكثر من مجرد درس في الأخلاق البسيطة، يتوجب عليه أن يقدم عمله لقارئه على أنه حقيقي - للتعبير عن «حقيقة معينة» يسبر أغوارها في عمقها. وفي هذا الاطار، يؤكد ليسنغ أن استخدام الحيوانات، كشخصيات أساسية لهذه الخرافات، إنما يعود الى «طابعها اللا شخصي» من دون أن تكون ثمة رغبة خاصة في إضفاء الطابع الغرائبي على العمل. فـ»الحيوانات، كما يقول لنا، تبدو بفعل ثبات سماتها، شديدة القدرة على إيصال الأذهان الى الحقائق العامة». وهنا ينحو ليسنغ أيضاً الى تقسيم الخرافات الى «خرافات مباشرة» و «خرافات غير مباشرة»، وكذلك ينحو الى تقسيم استنتاجاتها الأخلاقية الى ما هو «أسطوري خرافي» وما «هو مغرق في دنيويته وواقعيته». وهنا، يلفتنا ليسنغ الى «أن من غير الضروري، على أية حال، أن تكون كل شخصيات الخرافات حيوانية، بل يمكنها أيضاً أن تكون شخصيات بشرية وأيضاً شخصيات أسطورية... لكن كل الشخصيات يتعين أن ينتهي بها الأمر، في الخرافة، الى أن تعبّر عن شتى المواقف أو النيات الأخلاقية».

> هذا من ناحية الجوهر والمضمون معاً، أما من ناحية الأسلوب الأدبي والشكل، فإن الباحثين يلفتوننا الى أن القسم الأول من «خرافات» ليسنغ أو «حكاياته الخرافية»، وهو قسم مستوحى من الأدب الفرنسي كما أسلفنا، ينطبع بكونه نصوصاً شعرية، وهو نشر في العام 1747 أولاً، تحت عنوان «خرافات ونصوص موزونة»... ومن بين هذه، عمد ليسنغ لاحقاً الى تحويل ستة نصوص من الشعر الى النثر، لينشرها معاً عام 1759. ولنذكر هنا، أن خرافات ليسنغ النثرية هي المعروفة أكثر من غيرها، والتي يقبل عليها القراء بكثافة عادة، علماً أن بعض هذه الخرافات هو من ابتكار الكاتب نفسه. أما بعضها الآخر، فمقتبس من كتّاب كلاسيكيين... أما ما يجمع بينها كلها، فهو أنها قصيرة ومكثفة، مكتوبة بأسلوب واضح و «شديد الفاعلية»، وفق أحد الباحثين، وهي في مجموعها تطاول كل الأنواع التي ذكرناها، الى درجة أن الباحثين يرون أن ليسنغ تمكن بها من أن يؤسس لهذا النوع من الأدب الذي ساد الحياة الثقافية الإبداعية الألمانية لزمن طويل.

> وغرتولد إفرايم ليسنغ 1729 - 1781 هو واحد من كبار الكتاب والفلاسفة والشعراء الألمان في القرن الثامن عشر، عصر التنوير الألماني بامتياز. وهو ولد ابناً لقسيس بروتستانتي ودرس الطب واللاهوت في لايبزغ. ثم امتهن الصحافة منصرفاً الى الكتابة من دون أن يشغل وظيفة محددة. ثم صار سكرتيراً للجنرال تاونتسن، ليتحول بعد ذلك الى كاتب مسرحي وناقد، ثم أمين لمكتبة عامة عُرف خلال عمله فيها بكونه مشاكساً. وهو ظل هكذا حتى رحيله عام 1781 في هامبورغ. ومن أشهر أعمال ليسنغ، حكاياته الخرافية وكتاباته في نظرية الفن ومسرحياته من تراجيدية وكوميدية: «الدراما الهامبورغية» و «حظ الجندي» و «ناتان الحكيم»، إضافة الى كتابه الفكري المهم «تربية الجنس البشري».

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.