لندن ستعيش وتتعايش ببريكست أو بدون

فاطمة الضاوي

نشر في: آخر تحديث:

"زبونتي المفضلة غادرت لندن بعدما قرر البنك الذي يعمل به زوجها تحويل المقر الرئيسي والعمليات إلى مدينة أوروبية أخرى، وزبونتي الأخرى لم تجدد عضويتها بنادي الحي لعدم وضوح الصورة بما يخص مصير عملها ووظيفة زوجها، ناهيك عن اللاتي ليس لديهن خطة احترازية بعد على أمل استفتاء ثانٍ".

هكذا بدأ مصفف الشعر الفرنسي القاطن بلندن حديثه معي ولم يتردد في إظهار تخوفه من تراجع عدد الزبائن لديه و تأثره ماديا بسبب ذلك.

مصفف الشعر وغيره من الوافدين الأوروبيين وغير الأوروبيين، الذين يعملون بقطاعات تتأثر بشكل مباشر بالدورة الاقتصادية والقوة الشرائية، لديهم الحق أن يتخوفوا ويتحوطوا حذرا من المجهول القادم.

بريطانيا تقف عند مفترق الطرق لتقترب من إنهاء عضوية دامت أكثر من 40 عاما مع الاتحاد الأوروبي وتداعياتها على المجتمع غير واضحة بعد ولا أحد يعلم إلى ما ستؤول إليه الأمور.

فقد حل البريكست وبدأ الانقسام وظل سؤال المليون قائما بدون جواب قاطع منذ سماعنا نتائج التصويت صيف 2016. "فهل ستتعايش لندن مع الوضع القادم؟ وهل ستنجو هذه المدينة العتيقة بتاريخها والرائدة اجتماعياً واقتصادياً وعلمياً من التداعيات السلبية التي بدأت ملامحها في الظهور من خلال تراجع أسعار العقار والإسترليني ومغادرة الشركات ومعهم مئات الآلاف من المواهب الأوروبية؟".

الجواب: نعم ستنجو لندن.

اقتصادياً لندن هي القلب النابض للمملكة المتحدة، وهي تعتبر من أقوى المدن في العالم. فمدينة الضباب، و أنا أسميها مدينة الشمس، تساهم بأكثر من 20% في الناتج الإجمالي للمملكة المتحدة. هذه المدينة المبهرة تحتضن أكثر من 250 بنكاً أجنبياً، والأهم من ذلك فهي تحتضن وتجلب المواهب من كل أركان الأرض. فحجم اقتصادها يعادل حجم اقتصاد المملكة العربية السعودية المنتج الأول للنفط في العالم.

ثقافياً واجتماعياً لندن هي مدينة الألف لون ولون. تجمع تحت سمائها مختلف الأديان والأجناس والثقافات، والجميع متعايش. ولربما السبب وراء استمرار بريق لندن لمئات السنين هو خليطها الثقافي الثري. فمن يصفف الشعر قادم من جزر الكاريبيان، وخبيرة التجميل من رومانيا، والطالبة الجامعية من البوسنة، والمحلل المالي المصرفي من فرنسا والمغرب ولبنان، والمتقاعد من هولندا، والنادل من إيطاليا، وعامل البناء من بولندا وسوريا، والطبيب من باكستان، والأستاذ الجامعي من الهند والقائمة تطول.

لا شك أن الاقتصاد سيتأثر ولكن في اعتقادي الأثر سيكون متوسط الأجل، فلندن ستظل المدينة الساحرة التي تجذب الجميع إليها من سياح إلى طلبة وعمال من مختلف الطبقات الاجتماعية إلى مستثمرين وأثرياء. لندن ستتأقلم مع أي وضع يمكن أن تؤول إليه الأمور، وستجدد دماؤها لتتعايش مع البريكست الموجع، وربما تفتح فرصا جديدة في عالم الصيرفة والاستثمار وغيرها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.