.
.
.
.

«الدَّعوة».. بعد 13 عاماً من السُّلطة 

رشيد الخيون

نشر في: آخر تحديث:

لم تفعل عقود المطاردة، والعمل السِّري والمسلح، بحزب «الدَّعوة الإسلامية» مثلما فعلته الثلاثة عشر عاماً مِن السلطة، فعلى قلة الأتباع، قبل السلطة، وكثرتها خلالها كانت المعارضة ستراً للأخطاء، وحقائق النفوس والعقول، والسبب معروف، هو أن المعارضة بطبيعتها تمارس الهدم، لا تحتاج سوى الفؤوس والسَّواعد، سلاح وتنظيم وعمليات تفجير واغتيال، أي كلِّ ما يُزعج الخصم، وهذا ما مارسه الدعوة وغيره. أما السُّلطة، فتعني البناء الذي يحتاج إلى مهندسين واختصاصيين، صقلت مواهبهم الدراسة والخبرة، لا يجيدون التنظيم الحزبي، بقدر ما يجيدون بناء الدَّولة ومؤسساتها، سيتركون مواقع العمل إذا وجدوا نادل المقهى، أو صاحب ورشة ميكانيكية، أو بائع اللحوم وسواهم، من المهن التي نحترمها في مكانها، صاروا مديرين عامين، ووكلاء وزارات يتصرفون في الأمن والاقتصاد.

استمعتُ إلى الحلقات التي بثتها الفضائية «العِراقية» مع الشَّيخ عبد الحليم الزِّهيري، أجراها معه في برنامج «خُطى» علاء حطاب. لا أخفي إعجابي بأسلوب وأجوبة الزهيري وحوار مُقدم البرنامج. كان متمكناً ملماً بالحوادث والتحليل، ولم يجرح حتى أشد خصوم حزبه، تكلم ما شاهده ومارسه، بينما عِمامة بيضاء أُخرى استخدمها الحزب في فضائيته «آفاق» لبث السُّموم، مهدت هي وغيرها لما حصل من اغتيال لقوى الشّباب المدنيين والمدنيات.
مَن يستمع لحديث الزُّهيري عضو القيادة الحالية للدَّعوة، سيسأل عن الدِّماء التي سالت، والشّخصيات التي حملت الأكفان على الأكف، ويقابلها مع زمن السُّلطة، سيرى فداحة الخسارة، وأوهام ما كان عليها الضَّحايا، لو عاشوا ونظروا في الثلاثة عشر عاماً والخمسة أشهر، وهي الفترة التي أصبحت فيها الحكومة تحت يد الدَّعوة، من إبراهيم الجعفري، مروراً بولايتين لنوري لمالكي، وانتهاء بحيدر العبادي.

عُد حزب «الدَّعوة»، وفق الأدبيات التي كان يُثقف بها أتباعه، إنه نسخة «الإخوان المسلمين» الشِّيعية. تعرض إلى انشقاقات مبكرة، أولها بين أصحاب العمائم والأفندية، مثلما كان يُعبر عن غير المنخرطين في الحوزة الدينية، ثم توالت الانشقاقات، وواحدة منها خاصة بولاية الفقيه، عندما عُزل فقيه الدَّعوة محمد كاظم الحائري، ثم ما عُرف بالكوادر، وتنظيم الدعوة- العراق، الذي ظهر باسم «الحسين»، وبعد(2003) سموا أنفسهم بتنظيم الدعوة العراق(حديث الزّهيري)، وتيار «الإصلاح» الذي مثله الجعفري، وآخرها ما حصل بين العبادي والمالكي.

غزا الحزب بكوادره، من السابقين واللاحقين، الوظائف الحكومية، ولم يتمكن من ذلك لولا أداة السُّلطة وقوة المال، وظهرت نعمة الحكم على كوادره الكبار، وأخذ يهيمن على العقارات الحكومية تحت غطاء الشّراء، غير أنه اضطر تحت وقع الإعلام والمطالبات بالتخلي عن أعضاء كبار، بسبب الفساد المالي المفضوح.

لقد أنهى الكسب الحزبي عن طريق السُّلطة، الحزب نفسه، فلم تبق له الهالة التي يحاول إدامتها باسم المظلومية. كذلك يحاول التنصل عمَّا حصل مِن تدهور فظيع بادعاء أنه ليس في السُلطة وحده، لكن الحقيقة كان المسؤول الأول، فحسب الدستور أن رئيس الوزراء تحت يده العِير والنَّفير.
أكثر من قيادي دعوي أشار إلى أن قبول الحزب بالنِّظام الديمقراطي كان اضطراراً وليس خياراً، وإلا فالديمقراطية فكر غربي، وظل دعائياً يتقيد بكلمة محمد باقر الصَّدر(قُتل1980): «كل وعي سياسي لا يمتد إلى الإسلام فهو سطحي». جعل الحزب الكلمة شعاراً في موقعه الرَّسمي، فالنظام الدِّيمقراطي، وفق هذه المقولة، يحسب فكراً سطحياً! ولا أدري هل يستشعر قياديو الحزب بالازدواجية، في قبول هذا النِّظام، مع العيش كمواطنين بالدول الغربية، وهل يصدق القيادي الدَّعوي، في قرارة نفسه، أن النظريات السياسية العالمية التي تعتمدها البلدان التي حصلوا على جنسيتها سطحية، كالدانمارك والسويد مثلاً، ويأتي اليوم الذي يَصدرون لها تلك المقولة؟! أم هي مجرد شعارات، لا يجرأ الحزب على التخلي عنها، كي لا يبقى بلا سند نظري، حتى وإن كان غير واقعي؟!

يُحسب للحزب أنه كان ضد الحصار المفروض على العراق(1990-2003)، ويُحسب له أنه أبتعد عن «ولاية الفقيه»، ولم يكن قبل السُّلطة مسلماً لها، بعد موجة «الذوبان في الخميني»، نسبة لما نطق به الصَّدر حينها، وأكثر القيادات منه فضلت العيش خارج إيران. كذلك كان له موقف من غزو العِراق، كموقف عام، لكن قيادات منه سابقة وموجودة الآن، كانت تتفاهم مع الأميركان.

إن الحزب الذي أنعشته المعارضة، ووشحته بهالة المظلومية، أطفأته السلطة. يحمل في ذمته ملفات مِن الفساد والقضايا الكُبرى. ثلاثة عشر عاماً ربح فيها الأفراد بألقاب مثل «مختار العصر» الطَّائفي الفج، مقابل خسارة الحزب.

قيل أنشد اللغوي أبو عمرو بن العلاء(ت154هـ)، ونسب إلى أكثر مِن شاعر، بما يفيد الفارق فيمن تحمل وزر العِراق بلا دراية، فالهدم يجيده كل أحدٍ والبناء لا يُجيده إلا أصحابه: «مَن تحلَّى بغير ما فيه/فضَحتَّه شواهد الامتحان»(ابن عبد ربه، العقد الفريد). هذا، وليس هناك امتحان لـ«الدعوة» مثل امتحان السُّلطة!

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.