"لا تعايد!"

إيل يوسف الأندري
إيل يوسف الأندري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لا يقل خطأ إعلان الانتصار على داعش العراقي في يوم النصر، عن خطيئة من عزا صعود التنظيم الهمجي إلى التهميش السياسي والحرمان واختلال ميزان القوى في البلاد. ولا ضرورة لتعداد النماذج والتجارب المماثلة في المنطقة وحول العالم، وإن لم تحاكِ أو تبرر خروج تنظيمات تحز الرقاب وتقطع الرؤوس تحت راية استعادة الحقوق ورفع الغبن. كان على رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، التروي لكسب معركة عقول العراقيين، الذين أوغر داعش قلوبهم بمفاهيم مشوهة عن الإسلام والتعايش والتسامح.

لذا من غير الخارج على المألوف، أن "يفاجأ" العراقيون مسلمون ومسيحيون وإيزيديون وكلدان وأشوريون أو من تبقى منهم، بأن يطالعهم من "يفتي" بعدم جواز المعايدات أو الاحتفالات بعيدي الميلاد ورأس السنة لدى المسيحيين تحديداً وسائر المواطنين عامة. فداحة "الفتوى" أنها صادرة عن مراجع دينية عليا على اختلافها، يفترض بها أن تتصدر صفوف الاحتفاء بالاختلاف والتعددية، والتمسك بالوسطية والتسامح بعد تجربة دموية، يفترض أنها أذاقت العراقيين قبل غيرهم مرارة الاحتكام إلى التفسير المجتزئ والمتشدد للدين.

يسجل للوقف السني في العراق إدانة "الفتاوى" الشاذة المحرّمة للاحتفال بالأعياد المسيحية وغير المسيحية. أي عقل ذلك الذي يعكس خشية من مصافحة في يوم عيد، أو تبادل كلمات تهنئة ترطب قبور ناس، أهلكتهم سيوف داعش ومشانقه وأعدمتهم ميليشيات بعدالة محاكم ميدانية، لا لشيء، إلا بحجة اختلاف ملامحهم وتعدد مشاربهم، ولشبهة بسحنتهم أو لكنتهم.

أهو لزام علينا العودة مرارا إلى النهل من كتاب الزعيم الواحد ورؤيته المتفردة؟. وأن نشرب من العين نفسها بغض النظر عن مياهها السامة والآسنة، الناضبة من أي مصدر آخر يرفدها بالحد الأدنى من العدالة وقليل من الرحمة.

آخر ما قد يحتاجه العراقيون هو دعوات النفخ في نار الفتن وإيقاد المآسي. دماؤهم لم تجف بعد. عليهم البحث عن مساحات لقاء ومشاركة وتفاعل. يعوز العراقيون وسائر المقيمين في هذه المنطقة أن يفهموا الآخر لا معاداته. عليهم الكف عن إيهام أنفسهم والعالم، أن داعش عبر البحار وتجاوز الأسوار. هو ثقافة استطونت عقولنا، نتيجة فهم متزمت للدين وللآخر. لم تعد الحروب الدينية قائمة. اندثرت حقباتها منذ تحول العالم إلى مدينة معولمة.

تخاض الحروب اليوم في المختبرات وفي الفضاء، يحدد مسار مستقبلها ذكاء اصطناعي. لا يطمح الأوروبي أو الغربي إلى امتطاء جواد وقيادة سفينة لاجتياح الشرق. سبق أن أخضعه بجامعاته وأبحاثه واقتصاده.

وآخر ما يحتاجه مسيحيو الشرق على اختلاف توزعهم الجغرافي، انتظار معايدة أو مصافحة في عيد. عليهم التمسك بما يجيدونه، دورهم التاريخي. المبادرة، مد اليد، خلع عباءة ضحية تنتظر عفوا من جلاد مارق خارج على الدين والأعراف والإنسانية على السواء.
لم ينتصر العراقيون وسكان المشرق على داعش.

حروب الألفية الثالثة سنخوضها ضد أنفسنا. ضد ترسبات تاريخية من المفاهيم المتطرفة. صعدت النازية والفاشية على جثث الألمان والإيطاليين قبل غيرهم. جاع مواطنو الجيش الأحمر السوفيتي تحت راية الشيوعية ولهثوا خلف سباقات التسلح في حرب النجوم والفضاء. بنى داعش نصره على معاناة المسلمين ودمائهم قبل أي أحد آخر. مسألة وقت قبل أن يطالعنا داعش جديد براية مختلفة وإن بعد حين.

الوقت يداهمنا نحن، لا غيرنا. سيدهسنا قطار الحداثة، بطريقة يصعب علينا اللحاق بركبه، وستتحول الانتكاسة الحضارية إلى إقامة دائمة في التخلف ودوامات الإرهاب الديني وحلقاته المفرغة إلا من المآسي.

لا تخشى الأديان من التفاعل الحضاري والثقافي والفلسفي بين مكوناتها. فعلها الإسلام لعصور خلت. لكن علينا أولا أن نقرّ بهشاشتنا على مدى قرون. لا مهرب من النقد الذاتي.

ستطارد لعنتنا أولادنا كما اصطادتنا لعنات آبائنا. محكومون بالمبادرة والمصافحة، والمعايدة. يقول مثل إنجليزي إن أفضل الثأر هو العفو، هذا في بلاد الغرب، أما شرقا، فالثأر يبدأ بالعفو ويمر بالمحاسبة والمراجعة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.