.
.
.
.

أصولية سيد قطب ومصدرها القادياني

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

اعتمد سيد قطب في كتابه «السلام العالمي والإسلام» على مصدرين أساسيين عمّا عليهما وأخفاهما عن القارئ، هما: كتاب مولاي محمد علي «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، وهو الكتاب الذي عرفه وألّفه وخبره وسبق له أن استفاد منه كثيراً في استلهام جوانب من الفكر الإسلامي الأصولي المحدث، وكتيب المودودي «الجهاد في سبيل الله» الذي كان مترجماً من الأوردية إلى العربية حديثاً، وكانت الأطروحة التي تضمنها الكتاب حول مسألة الجهاد جديدة عليه.

ومع اعتماد سيد على المصدر الأول حتى في قضية المنافحة عن الجهاد إلا أنه لم يتبعه في رأيه بالقول: إن الجهاد هو جهاد دفاعي وليس جهاداً هجومياً، وهو الرأي الذي كان هو عليه قبل تأليفه كتاب «السلام العالمي والإسلام»، وتبع رأي المصدر الثاني الذي يقول بأن الجهاد جهاد هجومي وليس فقط جهاداً دفاعياً، مما يدل على شدة انبهاره بمرافعة المودودي في تفسير الجهاد في الماضي، وفي تسويغ استئنافه في الحاضر وفي استمراريته في المستقبل.

ولا بد هنا من إضاءة حول كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، الذي هو أحد كتابيين –الكتاب الآخر كتاب محمد أسد: «الإسلام على مفترق الطرق»– استمد منهما سيد قطب فكره الأصولي المتطرف، قبل أن يتعرف إلى الأصولية الإسلامية، كما هي عند المودودي ويغرف منها، وكذلك هو الكتاب الذي أخذ منه فكرة ومضمون كتابة «السلام العالمي والإسلام».

ألّف مولاي «مترجم الكتاب إلى العربية، كتبها بهذه الصيغة» أو مولانا محمد علي أو في تسمية أخرى محمد علي اللاهوري، كتابه عام 1942، باللغة الأوردية تحت عنوان «نظام عالمي جديد»، وقد ترجمه هو إلى اللغة الإنجليزية عام 1946، تحت عنوان «النظام العالمي الجديد». ترجمه من هذه اللغة إلى اللغة العربية مع إضافة كلمة «الإسلام» إلى العنوان الأصلي أحمد جودة السحار أخو الناشر سعيد جودة السحار صاحب «مكتبة مصر» وأخو الروائي عبد الحميد جودة السحار. النسخة من هذا الكتاب المترجمة إلى العربية طبعتها ونشرتها «مكتبة مصر»، وقد صدرت ضمن سلسلة «لجنة النشر للجامعيين» التي أنشأها الروائي عبد الحميد عام 1943، لنشر أعماله الروائية وأعمال جيله من الأدباء الشبان وقتها، الذين سيكون أبرزهم في ما بعد الروائي نجيب محفوظ. ومما يجدر ذكره بمناسبة إيراد بيانات نشر الكتاب السابق أن كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» كان الناشر له «مكتبة مصر» وأنه صدر ضمن تلك السلسلة، ويختلف عن الكتاب السابق الذي صدر قبله بأن الذي طبعه هي مطابع دار الكتاب العربي، والتي كان يملك مطبعتها ودارها الحاج محمد حلمي المنياوي، العضو في جماعة الإخوان المسلمين، وليس «مكتبة مصر ومطبعتها».

في النسخة العربية من الكتاب، كما في النسخة الإنجليزية، مذكور أن المؤلف هو رئيس الرابطة الأحمدية لإشاعة الإسلام.

تحدث المؤلف في مقدمة الكتاب عن الرابطة الأحمدية لإشاعة أو نشر الإسلام، فذكر تاريخ نشأتها، وهو عام 1914هـ، وذكر إنجازاتها في مجال خدمة القرآن والسيرة النبوية وكتب الفقه وإرسالها بعثات تعمل على نشر الإسلام في كثير من الأقطار والأمصار، وتشييدها لمسجد عظيم في برلين، إلا أنه لم يذكر أصل هذه الرابطة وفصلها، وهو أنها تنتسب إلى الفرقة أو الجماعة القاديانية، وأن الأحمدية أو الأحمديين هم الفرع الثاني من القاديانية.

مولانا محمد علي كان تلميذاً لميرزا غلام أحمد منذ أن كان شاباً يافعاً، وهو الذي رأى بعد وفاة المؤسس ميرزا بسنين قليلة أن ادعاء المؤسس النبوة ودعوة أتباعه الناس إلى الإيمان بنبوته وتكفير من لا يؤمن بها حدَّ من انتشار الحركة والدعوة القاديانية في الهند وغير الهند، وفي أوساط المسلمين وغير المسلمين، فقاد هو وكمال الدين خوجة انشقاقاً، وأسسا الجماعة اللاهورية أو رابطة إشاعة الإسلام بلاهور في التاريخ الذي ذكره مولانا محمد علي أعلاه. ويُعزى إلى سبب الانشقاق فضلُ انتشار الحركة والدعوة القاديانية في الهند قبل تقسيمها وفي إندونيسيا وفي أوروبا وفي أميركا وفي أقطار أخرى. وسبب الانشقاق –أيضاً– هو الذي جعله في مقدمة كتابه يورد معلومات مبتورة عن الرابطة الأحمدية لإشاعة الإسلام.

يُبقي مولانا محمد علي على بعض مزاعم ميرزا غلام أحمد في المرحل الأولى لتطور دعوته، فهو بدايةً زعم أنه وليٌّ ومجدِّد بأمرٍ وتوكيلٍ من الله، ثم زعم أنه مثل المسيح وصنوه، ثم زعم أنه هو المسيح الموعود والمهديّ المعهود، ويقول عنه تلميذه وتابعه مولانا محمد علي إنه ليس نبياً، وإنما مجدِّد القرن الرابع عشر الهجري. ولكنه في بعض كتاباته يلقبه بالمسيح الموعود! والمسيح الموعود –كما مر بنا– هي المرحلة التي تلت أنه مثل المسيح وصنوه. ومما صرح به في تفسيره للقرآن عدم الإيمان بالولادة البتولية لعيسى ابن مريم، فهو يرى –كما يرى عامة القاديانيين– أنه وُلد ولادة طبيعية، وأن له أباً بيولوجياً هو يوسف النجار.

لمحمد علي اللاهوري أعمال تأليفية إسلامية وترجمات إلى اللغة الإنجليزية، ومن أشهر أعماله ترجمته القرآن إلى اللغة الإنجليزية وتفسيره للقرآن في مجموعة مجلدات. وسيد قطب لم يتسنَّ له أن يقرأ من أعماله التأليفية سوى الكتاب الذي قدمنا بيانات عنه. فكرة كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، وهي أحد أركان الإسلامية الأصولية المحدثة، كنت قد أجملتها في مقال لي منشور في جريدة «عكاظ» السعودية بأن مؤلفه «يدعو المجتمع الدولي، حين كان هذا المجتمع يتباحث في السنة الأولى والثانية من الحرب العالمية الثانية في إنشاء نظام عالمي جديد، إلى اعتماد الإسلام والاستناد إليه في هذا النظام، فالإسلام وحده، كما رأى، هو الذي بمقدوره جمع الدول المختلفة كلها في عالم إنساني واحد يعمّه الحب والإخاء والسلام». ولهذا الغرض قام هو بترجمته إلى اللغة الإنجليزية حتى –كما قال في مقدمته– لا تُحرم الشعوب الناطقة بها الانتفاع بما جاء في كتابه! ما دعا إليه مولانا محمد علي في كتابه هذا دعا سيد قطب إليه في كتابه «السلام العالمي والإسلام». والفكرة أن كتاب «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، وكتاب محمد أسد الذي ترجمه من الإنجليزية إلى العربية عمر فروخ، واللذين تُرجما إليها من اللغة نفسها وفي العام نفسه، كانا جذر الأصولية وأساسها في فكر سيد قطب.

الكتاب الثاني كان له تأثير أكبر على رياديي الفكر الإسلامي الأصولي في الهند وفي العالم العربي. أما الكتاب الأول فلم يكن له ذلك التأثير الذي يُذكر إلا على سيد قطب وقلة من رياديي الفكر الإسلامي الأصولي في العالم العربي. وألا يكون له تأثير على رياديي الفكر الإسلامي الأصولي في الهند، فهذا شيء مفهوم، لأنهم كانوا يعرفون ما هي القاديانية بشقيها، وكانوا لا يرون فروقاً بيّنة بين شقيها، سوى أن الأولى تجاهر بما تعتقده والأخرى تتظاهر بخلاف ما تبطنه، أما التنظير السياسيّ والآيديولوجيّ الآنيّ والمستقبليّ للإسلام فهم يحسنون الحديث فيه. فلا حاجة لهم إلى هذا الكتاب.

أحد رياديي الفكر الإسلامي الأصولي في العالم العربي، السوري محمد المبارك في كتابه «نظام الإسلام: العقيدة والعبادة»، عدّ مولانا محمد علي من بين الذين حاولوا عرض الإسلام في مجموعة أجزائه ونواحيه أو أكثرها من خلال كتابه «الإسلام والنظام العالمي الجديد». ولأن كتابه صدر بعد عقد الخمسينات الذي كتب المودودي والندوي فيه عن القاديانية، استدرك في هامش صغير قال فيه: «يجد القارئ لهذا الكتاب نفثات خفيفة من آراء القاديانية في موضوع الوحي، ذلك أن مؤلفه من الفرقة الأحمدية... وهي تظهر بوجه خاص في تفسيره للوحي في أول الكتاب، وإن كان قد حاول ألا يعارض رأي جمهور المسلمين معارضة ظاهرة فيها».

لننظر ماذا قال سيد قطب عن القاديانيين. في رسالة كتبها سيد قطب إلى أبي الحسن الندوي بتاريخ 1-11-1953، قال فيها بعد السلام: «تلقيت منذ زمن رسالتكم التي تحدثتم فيها عن مأساة القاديانية، ولم أنشرها في (الدعوة) لأنها نُشرت في (المسلمون)، ولدينا الآن في مصر رسالة عن القاديانية بقلم السيد أبي الأعلى المودودي مع مرافعته أمام المحكمة العسكرية، نرجو أن يُرخَّص بنشرها باللغة العربية، والحقيقة أن العالم الإسلامي يجهل حقيقة القاديانية وخطرها، ولكن الرقابة المفروضة على النشر في مصر تكاد تغلّ أيدينا عن بيان هذا الخطر، وعسى الله أن يجعل بعد عسر يسراً».

هذا الرسالة موجودة في كتاب «رسائل الأعلام إلى العلامة أبي الحسن الندوي»، والرسالة مؤرَّخة في هذا الكتاب بعام 1952، وكان هذا تصحيفاً طباعياً، والعام المقصود هو عام 1953، لأن الأحداث المذكورة في الرسالة حصلت في هذا العالم. الرسالة التي تلقاها سيد قطب، كما يذكر هامش في ذلك الكتاب، هي مقال الندوي «القاديانية ثورة على النبوة المحمدية والإسلام» الذي أفاد سيد قطب بأنه نُشر في «المسلمون»، و«المسلمون» و«الدعوة» من مطبوعات الإخوان المسلمين، وكان سيد في ذلك الوقت يرأس تحرير جريدة «الإخوان المسلمين».

الرقابة المفروضة التي قال إنها تغلّ أيدي الإخوان المسلمين عن بيان خطر القاديانية، تغلّ أيديهم عن كتابة مقالات ضد نظام الحكم وليس عن بيان خطر القاديانية، بدليل أن مقال المودودي «المسألة القاديانية» نُشر في كتاب مطبوع، نشرته لجنة الشباب المسلم التابعة لـ«الإخوان» المسلمين في عام 1953... وللحديث بقية.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.