.
.
.
.

المسؤولية الدولية لمحاسبة الإرهابيين في ليبيا

محمد أبو الفضل

نشر في: آخر تحديث:

الخطوة التي اتخذها النائب العام الليبي مؤخرا بشأن عدد من الأشخاص الضالعين في عمليات عنف وإرهاب، هي خطوة كبيرة وفارقة، لأنها ضمت عددا من القيادات التي تتصدر الواجهة السياسية للتيار الإسلامي، وتتحرك بحرية في عدد من الدول، ولم يتم توقيفها وردعها ومحاسبتها من قبل أي جهة دولية.

عبدالحكيم بلحاج زعيم ما يسمى بـ“الجماعة الليبية المقاتلة” ورئيس حزب الوطن الإسلامي، أحد أهم الأسماء التي وردت في قائمة النائب العام، وضمت العشرات من العناصر الليبية والأجنبية، معروف عنوانه في تركيا منذ فترة، ويتم استقباله في قطر مثل كبار المسؤولين في الدولة الليبية وربما يفوقهم، مع ذلك لم تجرؤ الحكومة الليبية أو غيرها على المطالبة بتوقيفه.

الخطوات السياسية التي تتخذها منظمة الأمم المتحدة وغيرها لحل الأزمة الليبية منقوصة، لأن من يشرفون عليها يتعمدون تجاهل الدور القذر الذي يلعبه بلحاج، ومعه الإخواني علي الصلابي الذي يتنقل كثيرا بين إسطنبول والدوحة.

عندما بدأت المنظمة الدولية تلتفت لخطورة دور هؤلاء اختارت صلاح بادي زعيم ما يسمى “ثوار طرابلس”، وقبله إبراهيم الجضران الذي درج على الإغارة على منطقة الهلال النفطي مع عدد محدود من الأسماء الثانوية، وتناست بلحاج والصلابي وغيرهما، لأنها تدرك أن وراء كل منهما قوى تدافع وتتستر، ما منحهما أمانا وحيوية الفترة الماضية.

لعل تحرك النائب العام الليبي يحث بعض الدول على التعاون في القضية التي يمثل الإعلان عنها نقلة نوعية إذا تم البناء عليها، وهناك كثيرون يتمنون أن تأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ، وتتجاوز التحركات التكتيكية لحكومة الوفاق كوسيلة لنفض يدها من عمليات الميليشيات التي وضعتهما في خانة واحدة، وأعاقت العديد من الخطوات الرامية لتسوية الأزمة الليبية. كما أساءت للمبادرات التي طُرحت من دوائر مختلفة، خاصة التي حملت نوايا إيجابية، ما أفضى إلى تعثرها بسبب التراخي في التعامل مع الكتائب المسلحة والجهات التي تدعمها وتستقوي بها.

التفاعل مع خطوة النائب العام الليبي مسألة مهمة، لأنها تضع حدا للكثير من المراوغات السياسية، ومحاولات القفز على الأشواك التي برعت فيها بعض الدول لعدم مواجهة الحقيقة المرة، وجعلت ممارساتها تشوبها ازدواجية واضحة، ففي الوقت الذي تعلن التكاتف مع الحرب على الإرهاب، تصر على غض النظر عن الممولين والداعمين والمؤيدين الرئيسيين له في المنطقة، الأمر الذي دفعهم للإصرار على عدم التخلي عن هذه الورقة المدمرة.

التهم التي وُجهت إلى عبدالحكيم بلحاج تكاد تكون متطابقة مع تلك المتداولة في أروقة دول مختلفة لأعضاء ناشطين في جماعة الإخوان المسلمين يتحركون ويمرحون في فضاءات مجاورة. فهل تستطيع الحكومة التونسية مثلا الكشف عن تفاصيل عمليات بلحاج الاقتصادية، الذي قدم نفسه على أنه شريك مفضل لديها، وساهمت قيادات حزب حركة النهضة في دخوله مجالات استثمارية واسعة، وفتح راشد الغنوشي بابه وأبوابا أخرى للترحيب به وقيادات الإخوان، ناهيك عن عناصر تنتمي مباشرة للجماعة الليبية المقاتلة.

الاستقبال الحافل الذي كان يقابل به بلحاج ورفاقه والتعامل البروتوكولي الفائق بديا مثيرين للانتباه ولم يتحدث عنهما كثيرون، لذلك هناك تعويل على الدور الوطني للحكومة التونسية للتضامن مع تحرك النائب العام الليبي في الكشف عن معلومات تؤكد علاقة بلحاج مع شخصيات متشددة، ودوره المشبوه الذي جعل ليبيا دولة فاشلة، ويريد تحويل تونس وغيرها من الدول المجاورة إلى ساحات معارك واعدة، من خلال تقديم الدعم اللوجستي لتنظيمات إرهابية عابرة للحدود.

لن تكون لخطوة النائب العام الليبي أهمية كبيرة ما لم يتم استثمارها في فتح الملف الشائك الخاص بتمويل ودعم الإرهاب على مصراعيه، الذي تصر دوائر كثيرة على تجاهله، والتنصل من مواجهته، خوفا من أن يؤدي إلى إثارة قضايا تفضح الألاعيب التي قامت بها قوى محلية وإقليمية ودولية، وهو ما أطال أمد الإرهاب في المنطقة، وضاعف من صعوبة مواجهته بصورة حاسمة.

المسؤولية الدولية تحتم البناء على تحرك النائب العام، قبل الشروع في تدشين ترتيبات المؤتمر الوطني الجامع الفترة المقبلة، والذي يعتقد غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، أنه القشة التي قد ينقذ بها سمعته السياسية، التي بدت في بعض الأوقات متطابقة مع رؤية بلحاج والصلابي ومن يقفون خلفهما، وسمح لبعض روافدهما المشاركة رسميا في غالبية الفعاليات التي يرعاها، وهناك صور متداولة الآن لقيادات مطلوبة تجلس مع عدد من المسؤولين في الحكومة الليبية، التي دخلت اختبارا جديا لتأكيد أو نفي علاقتها العميقة بالكتائب المسلحة وقياداتها السياسية.

لم تنتبه بعض الدوائر لهذه القضية جيدا، أو تعمدت عدم الانتباه لها، لأن المواجهة تحتاج إلى إرادة كبيرة وموقف موحد لكشف الكثير من الملابسات التي صاحبت العلاقات الخفية بين قوى تتقدم للمصالحة، وهي تعمل على عرقلتها أو ترتيبها بالطريقة التي تضمن وجود عناصر التيار الإسلامي والإرهابيين في واجهة المشهد السياسي.

عملية تفويت الفرص على تسوية الأزمة الليبية أحد أسبابها الجهود المضنية لتمكين التيار المؤدلج من الحكم، أو على الأقل تمثيله بنسبة عالية بما يفوق وزنه على الأرض، ومع ذلك لم يتعظ هؤلاء من التداعيات الكارثية لهذه التصورات التي أدخلت البلاد في منزلق بات من الصعوبة الخروج منه من دون ضبط التوازنات نحو الوجهة الصحيحة، وقبل أن ينفلت العقال تماما وتسير الأمور في طريق تكون هناك صعوبة بالغة في الرجوع عنها.

البعثة الأممية في ليبيا أمام اختبار جاد، إما أن تنفذ وعودها بملاحقة العناصر الإرهابية بلا انتقائية، وإما تسقط هيبة المنظمة الدولية. ولا تزال هناك دول تعلق عليها بعض الآمال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأصبح التجاوب مع قرار اتهام عبدالحكيم بلحاج ورفاقه أحد أهم المحكات، لأن الدول التي ترعاه ويتنقل بين عواصمها ليست بعيدة عن غسان سلامة، وبدلا من أن يستعين بجواسيسها وعملائها عليه تعاطي حبوب الشجاعة وينقل للمجتمع الدولي الحقيقة عارية لما يدور على الساحة الليبية، لأن التاريخ لن يرحم المتواطئين، عمدا أو جهلا.

الدور الذي تقوم به أنقرة والدوحة في احتضان القيادات المتطرفة من ليبيا وغيرها من الواجب التعامل معه بحسم، لأن التساهل جلب الكثير من التعقيدات على أزمات المنطقة، وسمح لتركيا مثلا، بالتدخل لتغذية المعارك في ليبيا، لأن صمت المدافع ربما يفضي إلى مكاشفة سياسية تضطر المجتمع الدولي إلى إعادة تقييم المواقف بما يضع حدا لمن يقفون خلف التنظيمات الإرهابية.

لا يُتوقع أن تؤدي خطوة النائب العام الليبي إلى تحريك المياه الراكدة في هذا المجال، لكن إلى المزيد من المعارك في طرابلس الأيام المقبلة، باعتبارها السبيل الوحيد للتشويش على القرار، والأداة الرئيسية التي يلجأ إليها الإرهابيون وأعوانهم في هذه النوعية من التطورات الحرجة.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.