.
.
.
.

لا تحرجوه مرتين

إيل يوسف الأندري

نشر في: آخر تحديث:

دأب لبنان ومنذ تأسيس كيانه السياسي أو إعلان دولته في العام 1920 على إحراج نفسه. ودوما مرتين. يحرجه أبناؤه، ويحرجه أشقاؤه. تماهى أبناؤه مع كل مد عابر. أحمل اسم الأم الحنون، أو ارتدى عباءة العروبة أو تدثر بالقومية. سحر عبدالناصر قسمه وكاد يشعله، أحرقه دهاء ياسر عرفات وقصر نظر سياسييه.
لا شك أن مشهد إنزال علم الثورة الليبية، التي لم تنتقل بدورها بعد إلى مصاف دولة مكتملة الأركان، تماما كلبنان مسيئ. عناصر "مسلحون" بسلطة سياسية، غطتهم باستحضار مفردات وتواريخ من الحرب الأهلية، ظهروا منتصرين على دولتهم قبل غيرها. دائما فوق الدولة وتحت راية الحزب (حركة أمل). متلازمة لاحقت لبنان مرة أخرى منذ تأسيسه.
بعدها بأيام قليلة، وبموقف منفصل، تلكأ العرب عن حضور القمة الاقتصادية في بيروت، وكأنما بهم يصدرون حكم إحراج ثان، بحق السلطة الشرعية أولا وحلفائهم ثانيا.
للعرب ألف حجة للعتب لا للعقاب. الدولة اللبنانية غائبة أو في غيبوبة. أعجزها تشكيل حكومة تضم الجميع. أعيتها العواصف الآتية، مناخية أو سياسية. فالعجز واضح ومتجذر، وفاضح يغذيه انقسام داخلي حاد على الخيارات الكبيرة والصغيرة على السواء. اللائحة طويلة، والاتهامات كثيرة. والمريض طريح العجز والحرج.
أي رسالة يتوخاها الأشقاء العرب العائدون تدريجيا إلى سوريا. أيعودون إلى دمشق ويغادرون بيروت. كيف سيقرأ اللبنانيون وغيرهم رسالة شبه المقاطعة. ماذا وراء هزالة التمثيل في قمة، أمل منها لبنان شبه عودة إلى سلم الاهتمامات وليس الأولويات، بعد مؤتمر سيدر واحد.
التجربة اللبنانية لا تشذ عن غيرها في المنطقة والعالم. المعادلة بسيطة وغير معقدة. حين يتنازل العرب عن دورهم في لبنان يدفعون باتجاه حلين. إما أن تستمر إيران وما يعرف بالمحور الممانع بملئ هذا الفراغ، مدعومة بانتصارها وحلفائها في سوريا. أما الحل الثاني, خبره اللبنانيون دون أن يتعظوا. خيار أكثر مرارة وأشد خطورة، سيناريو حرب أهلية.
يبقى خيار ثالث. عودة عربية متكملة العناصر. حضور طاغ ورسمي، أشبه بتظاهرة ملوك ورؤساء في بيروت. تبعث برسالة واضحة ومسموعة ومرئية. لبنان كسيح، ربما. نبقيه كسيحا، ولكن عربيا. نربط أي مساعدات أو هبات أو قروض بتشكيل حكومة، بمن حضر أو بالجميع. الثقة معدية كالضعف. السياسة كالطبيعة تكره الفراغ، وأكثر منه الحياد السلبي. لا يحتاج لبنان ولا العرب من خلفه إلى علاقة مبنية على شهادات حسن سلوك واختبار نوايا. خبرناها مع الوجود أو الاحتلال السوري - كي لا نحرج مرتين - قامت الدنيا ولم تقعد حين تجرأ رئيس لبناني سابق في تسعينيات القرن الماضي على وصف لبنان أو الطبقة السياسية بالقاصر. يحتاج القاصر -إن سلمنا جدلا- إلى رعاية مضاعفة. آخر ما يريده لبنان إحراجا ثانيا، من شأنه أن يودي به إلى ما هو أقل من سوريا وأبعد من اليمن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.