.
.
.
.

إخوان ليبيا على طريق الحظر

الحبيب الأسود

نشر في: آخر تحديث:

الخطوات التي يخطوها الليبيون للحسم في مصير جماعة الإخوان بالحظر القانوني لنشاطها وتأميم ممتلكاتها وتجفيف منابع تمويلها وقطع الطريق أمام تحركاتها العدوانية، تمثّل خطوة في الاتجاه الصحيح، وتؤكد مرة أخرى ذكاء الليبيين في التعامل مع الورم الإخواني، سواء من خلال تقزيمه في الانتخابات أو الكشف عن علاقاته الوطيدة بكل الجماعات الإرهابية، وتبعيته للخارج وارتباطاته بالمؤامرات الخارجية ضد بلادهم، ما جعله يفقد أيّ تعاطف شعبي معه، بل بالعكس أصبح منبوذا ويمثّلُ مصدر إزعاج حتى لأقرب حلفائه.

وحظر الجماعة الإرهابية ليس جديدا في ليبيا، فقد سبق للنظام الملكي أن اتخذ هذا القرار في العام 1954 بعد أن اكتشف الملك إدريس السنوسي أن تآمرهم وصل إلى الأسرة المالكة ذاتها، ففي 5 أكتوبر من ذلك العام، شهدت ليبيا أول جريمة اغتيال سياسي في ظل الدولة الوليدة التي أعلن عن استقلالها في 1951، حيث قام الأمير الشريف محيي الدين السنوسي بإطلاق النار على ناظر الخاصية الملكية إبراهيم الشلحي ما أرداه قتيلا، وتبيّن من التحريّات أن الأمير القاتل متأثر بفكر جماعة الإخوان التي حاولت أن تدق إسفينا بين الأسرة الحاكمة والعائلة السنوسية الموسعة.

ويعود ظهور الإخوان في ليبيا إلى العام 1948 عندما لجأ عدد من عناصر الجماعة إلى إمارة برقة لنيل حماية الأمير إدريس السنوسي بعد تورّط الجماعة في اغتيال رئيس الوزراء المصري محمد فهمي النقراشي في 28 ديسمبر من العام ذاته، وعندما طلبت السلطات المصرية من الأمير تسليمها اللاجئين الثلاثة وهم عزالدين إبراهيم ومحمود الشربيني وجلال سعدة، رفض ذلك وبقوة ما أدى إلى توتر العلاقات وإغلاق الحدود بين البلدين.

منذ ذلك الوقت حاول اللاجئون المصريون من جماعة الإخوان التغلغل في مفاصل السلطات الوليدة بإمارة برقة ثم على مستوى المملكة الليبية المتحدة المعلنة في العام 1951، وعملوا على أخونة المجتمع من خلال استجلاب مدرسين كانوا يروّجون لعقيدتهم بين الطلاب، إلا أن حادثة اغتيال الشلحي كانت كافية لفضح مخططاتهم التآمرية، خصوصا وأنّ مصر شهدت بعد 21 يوما من حدوثها، محاولة الإخوان اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر في ما سمي بحادثة المنشية بالإسكندرية في 26 أكتوبر 1954.

وبعد الإطاحة بالنظام الملكي في العام 1969 حاول معمر القذافي استقطاب الإخوان في منظومة الحكم ومكّنهم من مواقع مهمة داخل الوزارات ومؤسسات الدولة، قبل أن يكتشف، بدوره، أنهم يخططون في الخفاء للانقلاب عليه، وأنهم يعملون على التنسيق مع أطراف أخرى لتشكيل خلايا سرية خصوصا بعد صدور القانون رقم 71 لعام 1972 الذي نصّ على تجريم العمل الحزبي في ليبيا. فتمّ في العام 1973 الإعلان عن حظر نشاط الجماعة وملاحقة عناصرها وإجبارهم على الظهور على شاشة التلفزيون لإعلان تبرؤهم من الفكر الإخواني.

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فالمئات من الطلبة الذين أرسلتهم الدولة للدراسة في الخارج، عادوا إلى بلادهم وهم معتنقون لفكر الجماعة، وهو ما تمّ رصده والتأكد منه في العام 1980، ورغم ملاحقة البعض، إلا أنّ البعض الآخر استطاع في العام 1982 تشكيل النواة الأولى للجماعة المقاتلة التي تتبنّى الفكر الإخواني في وجهه القطبي بزعامة علي العشبي، والتي اتجه عناصرها للحرب في أفغانستان ضمن المشروع الإقليمي والدولي القائم آنذاك، كما أسس عوض الزواوي عام 1989 جماعة جهادية تدعى حركة الجهاد فاعتقل. وأسس محمد المهشهش (الملقب بـ”سياف ليبيا”) عام 1989 حركة الشهداء الإسلامية.

وانتقل العشرات من إخوان ليبيا إلى أفغانستان حيث التحقوا بتنظيم الاتحاد الإسلامي الذي يترأسه القائد الأفغاني عبدالرسول سياف، وانتظموا في معسكر يعرف بمعسكر سلمان الفارسي في منطقة من مناطق القبائل الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، وبعودتهم تشكّلت في العام 1990 الجماعة الليبية المقاتلة بوجهها النهائي الذي كان ينادي بإسقاط النظام بواسطة العمل المسلح، والتي تمّ الكشف عنها من قبل الأجهزة الأمنية في العام 1995 عندما تمّ اقتحام مزرعة ببنغازي كانت تضمّ عددا من الإرهابيين، وفي يونيو 1998 تم اعتقال أكثر من 152 من قيادات الإخوان، وفي 16 فبراير من 2002 أصدرت محكمة الشعب الخاصة التي شُكلت لمحاكمتهم حكمها بالإعدام على المراقب العام للإخوان المسلمين في ليبيا عبدالقادر عزالدين ونائب المراقب سالم أبوحنك، وحُكم على ثلاثة وسبعين متهما آخرين بالسجن المؤبد، ولكن بعد إجراء الجماعة الليبية المقاتلة لمراجعاتها التي تخلّت بعدها عن عداء الدولة الليبية، فإنّ الإخوان المسلمين تمّ اعتبارهم من قبل العديد من المصادر كحلفاء للنظام الليبي من خلال علاقتهم الطيبة بسيف الإسلام معمر القذافي، غير أنهم سرعان ما انقلبوا على ذلك التحالف، وهو ما كشف عن طبيعة معدنهم الذي يُبدي التوافق في العلن ويخطّط للمؤامرات في السرّ.

والحقيقة أنّ الجماعة المقاتلة كانت تتبنّى فكر التيار السروري، الذي يوائم بين مرجعيتي الإخوان وسلفية ابن تيمية، ليشكّل تيارا “جهاديا” يمكن اعتباره الأب الروحي لكل الجماعات الإرهابية ومنها تنظيم القاعدة، الذي أكد تحالفه مع الإخوان منذ بدايات أحداث فبراير 2011، حيث ساهما معا في حمل السلاح، ثم السيطرة على مقاليد الحكم في طرابلس من خلال المؤتمر الوطني العام وحكوماته التي قدمت لأول مرة عناصر من القاعدة في صدارة السلطة.

وقد سعت جماعة الإخوان الليبية وحليفتها الجماعة المقاتلة إلى تشكيل الميليشيات، ونشر “الدروع″ وهي كتائب مسلحة ذات نزعة “جهادية”، والهجوم على القبائل كالهجوم على بني وليد في أكتوبر 2012 تنفيذا للقرار رقم 7 الصادر عن المؤتمر الوطني العام، ثم كانت عملية فجر ليبيا في صيف 2014 كانقلاب إخواني على نتائج الانتخابات البرلمانية التي عصفت بطموحاتهم السياسية وكردّ على عملية الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني ضد الجماعات الإرهابية في شرق البلاد، ما أدى إلى حرب أهلية في طرابلس والمناطق المجاورة، وإلى اقتحام مؤسسات الدولة وترويع الأمنيين وحرق المطار الدولي، واتساع المعارك نحو مناطق أخرى مثل ورشفانة والعجيلات وغيرها.

ثم جاءت عملية “الشروق” في محاولة فاشلة للسيطرة على الهلال النفطي، واعترفت قيادات الجماعة بدعمها الكامل لمجالس شورى المجاهدين في أجدابيا وبنغازي ودرنة سواء بالسلاح أو الأفراد أو بالإعلام الموجّه، وتبيّن أن إخوان ليبيا كانوا على علاقة بالعمليات الإرهابية التي شهدتها مناطق عدّة من البلاد، وأنها تحظى في ذلك بدعم قطري وتركي غير محدود.

لقد أعلن إخوان ليبيا في أكثر من مرة أنهم ضد الجيش الوطني الوطني، وضد عملية الكرامة، وحالوا في أكثر من مناسبة دون تحقيق الحل السياسي الذي يُخرج البلاد من النفق المظلم الذي تواجهه، وسعوا بكل ما في وسعهم إلى شق المجتمع سواء من خلال قانون العزل السياسي أو من خلال تعطيلهم للمصالحة الوطنية، وكذلك من خلال وقوفهم عكس التيار الشعبي، وتورّطهم في الفساد وتبديد ثروة الليبيين، ومحاولاتهم التغلغل في المجتمع من خلال الجمعيات والمنظمات والمؤسسات التعليمية ومنابر المساجد ووسائل الإعلام، وإصرارهم على الارتباط بالمحور القطري – التركي المرفوض من قبل عموم الشعبي الليبي رفضا قاطعا، واستمرارهم في العمل السرّي في جوانب عدة، ما جعل رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، يعلن استقالته من الجماعة باحثا عن توافقات جديدة، وهاربا من مركب الإخوان الآيل للغرق.

عندما ترتفع اليوم الأصوات المنادية بحظر الجماعة، فإنّ وراء ذلك دوافع وأسباب يمكن أن يفسرها كل من اقترب من إخوان ليبيا ذات يوم بدءا من سيف الإسلام القذافي الذي وثق فيهم ضمن مشروعه “ليبيا الغد”، ومصطفى عبدالجليل الذي كان عرّابهم في المجلس الانتقالي في العام 2011، ومحمود جبريل الذي لم يكتشف خيانتهم إلا بعد أن حاربوه بشتى الوسائل، وصولا إلى أي مواطن ليبي من ضحايا الإجرام الذي ارتكبوه والفساد الذي نشروه والضلال الذي اتبعوه.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.