.
.
.
.

هوفر: مالكوم وكنج!

أحمد الفراج

نشر في: آخر تحديث:

تحدثت في ثلاث مقالات ماضية عن بعض أشرس المواجهات والخصومات في التاريخ السياسي لأمريكا، وكان المقال الماضي عن العداوة الشديدة والحقد الدفين، الذي كان يكنّه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي ( FBI)، ادجار هوفر، لداعية الحقوق المدنية، مارتن لوثر كنج، وانتهت الخصومة باغتيال كنج، وهناك شكوك كبرى عن دور الاف بي آي، وهوفر شخصيا بذلك، وبمناسبة الحديث عن كنج، فإنه كسب شهرة عالمية، على عكس داعية حقوق آخر، أراه - شخصيا - يستحق ذات الشهرة، وأتحدث هنا عن مالكم اكس، الذي يعتبر شخصية فذّة، وصاحب سيرة نضالية ملهمة، تستحق أن تروى، نظرا لتناقضات تفاصيلها وغرابتها، فقد نشأ في بيئة عنصرية بشعة للغاية، خلال النصف الأول من القرن الماضي، وبالتالي لاقى مع أسرته صلفاً شديداً من منظمة الكلو كلس كلان، وغيرها من المنظمات العنصرية البيضاء.

كانت هذه المنظمات تلاحق النشطاء السود، وتذيقهم أصنافاً شتى من العذاب، إذ سبق أن تم إحراق منزل أسرته، والتشنيع عليها، وتشويه سمعتها، وقد أثر ذلك على الشاب مالكوم اكس، فتحول إلى مجرم حقيقي، ودخل السجن، وهناك تحوّلت حياته القصيرة للأبد، إذ اعتنق الإسلام على طريقة «منظمة أمة الإسلام»، والتي أسسها داعية اسمه، اليجيا محمد، وهي منظمة لها نسختها الخاصة من الإسلام، وهو إسلام غريب، يطول الحديث حوله، فتحول إلى مناضل حقيقي، ويجمع خصوم مالكم قبل محبيه على أنه حاد الذكاء، ذا شخصية قوية، وقيادية، وآسرة، ومتحدث لا يشق له غبار، وبعد خروجه من السجن، ناضل من أجل حقوق السود، وأصبح ذا شعبية واسعة، ثم اعتنق الإسلام الحقيقي، بعد زيارته للمملكة، وجدير بالذكر أن الملاكم العالمي الشهير محمد علي كلاي كان أحد أتباعه.

شعبية مالكوم اكس - الذي استبدل اسمه الأخير بحرف «x»، لأنه اسم الأسرة البيضاء التي كانت تستعبد أسرته - جعلت مدير المباحث الداخلية، ادجار هوفر، يكرهه بشدة، مثل كرهه لمارتن لوثر كنج، وربما أشد، وذلك لأنه، وعلى عكس كنج، كان عنيفاً، وكارهاً للعرق الأبيض، وحاداً في خطابه، إذ كان ينتقد سلمية كنج، ويسخر منه قائلاً: «إنه يحلم فقط، وعليه أن يستيقظ!»، وذلك سخرية من خطبة كنج التاريخية والشهيرة، والتي كان عنوانها: «لديّ حلم»، وقد واصل نضاله بهذه الطريقة حتى النهاية، وهي نهاية بشعة، تماما مثل نهاية كنج، إذ تم اغتياله، وهو يلقي خطبة، وهناك شكوك شبه مؤكدة، عن دور الاف بي آي، ومديرها هوفر بهذا الإغتيال، والخلاصة هي أن الذين يدّعون النضال كثر، ولكن المناضلين الحقيقيين قلة، تتميز بالتضحية والإخلاص لمبادئها حتى النهاية، ثم يخلّدها التاريخ!.

*نقلا عن "الجزيرة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.