.
.
.
.

الفتاة السعودية تقتحم سوق العمل

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

في عام ٢٠١١، وبعد جدل طويل في الداخل السعودي استمر لأربعة عقود، أصدرت الحكومة أوامرها الإلزامية بقصر مهنة بيع المستلزمات النسائية في الأسواق التجارية على النساء. بمعنى آخر «إنهاء» مشهد وجود البائع الرجل وهو يقوم بعرض هذه المنتجات الخاصة جداً للمتبضعات من النساء. منذ ذلك العام، بدأت النساء باقتحام السوق بقوة والتزام وانضباط أبهر أكثر المتفائلين.

تزامنت تلك الفترة مع زواج المواطنة السعودية دلال فادن المتخرجة من جامعة الملك عبدالعزيز في تخصص علم الأحياء الدقيقة وانتقالها مع زوجها إلى الرياض. دلال وبعد أن عملت بوظيفة تناسب اختصاصها في جدة، لم تجد الوظيفة المناسبة لاختصاصها في الرياض ووجدت نفسها مضطرة لتقديم طلب توظيف لدى شركة فواز الحكير للتجزئة المالكة لحق توزيع منتجات ما يربو على ٨٠ ماركة تجارية عالمية بوظيفة مديرة براند. ابتدأت بدخل مقداره ثمانية آلاف ريال واليوم تتسلم 14 ألف ريال في الشهر وتنتظر وصول راتبها إلى 24 ألف ريال كحد أقصى لهذه المرتبة. توفر صناعة التجزئة الحديثة التي أخذت في الانتشار في الشرق الأوسط واشتهرت بها مراكز كبرى كما نشاهد في مدينة دبي، مئات الآلاف من الفرص الواعدة. تحولت هذه الصناعة أخيراً إلى ميزة تنافسية تعتبر في غاية الأهمية بين مدن العالم. دلال واحدة من ٧٢٠٠ موظفة سعودية يعملن في هذه الشركة في مهنة البيع وخدمات العملاء في المتاجر المنتشرة داخل مدن المملكة. قد يصل إجمالي المرتبات الشهرية لهذا العدد ٥٠ مليون ريال سعودي. تتنقل دلال وحدها من مدينة إلى أخرى للإشراف على فروع العلامة التجارية للتأكد من جودة العرض وتطبيق الفرع مواصفات ملاك هذه العلامة في الخارج. تستذكر دلال الفترات العصيبة الأولى لعمل الفتاة في المولات، وتشير تحديداً إلى ضغوطات المجتمع واستغرابه من وجود فتاة سعودية تعمل في هذا القطاع، وكانت المنطقة الوسطى تشكل الضغط الأكبر مقارنة بالشرقية المتأثرة ببيئة أرامكو والخليج، والغربية التي تستقبل ملايين المعتمرين والحجاج.

قبل هذا التاريخ كانت الوظائف المتاحة للمرأة في المملكة تقتصر بالدرجة الأولى على التعليم في مدارس البنات، وأعداد محدودة في القطاع الصحي. لأسباب عدة لم يكن مستحسناً وجود الفتاة في مهن الخدمات كالتجزئة والضيافة والنقل، وعندما تم السماح لهن في قطاعات الاتصالات والبنوك تم عزلهن عن الرجال، وتحديد مقار العمل في أقسام نسائية معزولة.

اليوم، يتم عمل المرأة بلا عوازل ولا تخرصات وهمية، بل حتى ارتداء النقاب لم يعد إجبارياً، ونرى توسع انتشار الحجاب الإسلامي الذي يسمح بكشف الوجه وإبداء الملامح عوضاً عن إخفاء ذلك كله في مهن تتطلب الحوار بين العملاء والبائعين. في حديثي المختصر مع دلال والأخت حمدة وهي مديرة فرع، كنت جالساً في مقهى مفتوح أمام الناس داخل مول النخيل من دون أن يكون ذلك لافتاً لأحد. على أن أكثر ما شد انتباهي وإعجابي - وهو الأهم برأيي- ابتعاث الفتيات للخارج على حساب مثل هذه المنشآت، إما للمشاركة في دورات تقام في دول الجوار أو لدول أجنبية بعيدة تملك هذه العلامات كالولايات المتحدة وأوروبا.

نعم، تأخرت السعودية كثيراً في مجاملتها للقلة القليلة من المتشددين الذين وقفوا بقوة ضد إشراك المرأة في سوق العمل السعودي. الكثير منا يتذكر تهديد بعض هؤلاء لوزير العمل آنذاك بالدعاء عليه بمرض السرطان، لكنها اليوم تُدفع بكل قوة نحو هذا الاتجاه، وتوقع العقوبات على من يخالف أو يلتف على هذا التوجه.

المذهل أن المجتمع في الحقيقة وعلى أرض الواقع استوعب المشهد بسرعة، على رغم الصدمات في بداياته، كما هي الحال مع قيادة المرأة السيارة، لم يحدث ما كان البعض يخشاه من انفلات أخلاقي أو ارتفاع في حالات التحرش الجنسية، لم نعد نشاهد تلك العوازل الخشبية بين أقسام النساء والرجال في الأماكن العامة كالمطاعم، كل من شاهدته أمامي أثناء جمع المعلومات لهذه المقالة من الأخت دلال وبعدها الأخت حمدة، سواء من المتسوقين أو ممن يستخدم ممرات هذه المراكز الحديثة لمزاولة رياضة المشي، يشعر بـ «دفء» المكان و«الأنسنة» الرائعة التي أصبحت تطغى على الهواء، لا ننسى بالطبع صدور القوانين الخاصة بمكافحة التحرش وتطوير أنظمة التواصل مع الأجهزة الأمنية تزامناً مع دعم هذا الانفتاح.

اقتصادياً، تم الاستغناء عن مئات الآلاف من العمالة الأجنبية التي كانت تدير هذه المتاجر، وبالتالي المحافظة على البلايين من الريالات داخل الدورة الاقتصادية الداخلية، وكسب المهارات والخبرات المتنوعة لأفراد المجتمع.

يحتاج هذا السوق إلى الدور الرقابي، خصوصاً فيما يتعلق بتوظيف الفتيات في الأسواق المركزية، وتحديداً في أقسام الأطعمة الجاهزة، أجد ويلاحظ الكثيرون الحاجة لتصميم أكمام مناسبة للفتيات بدلاً من أكمام العباءة المعتادة، بحيث لا تلامس المعروضات عند تناول مثل هذه الأطعمة المتراصة داخل ثلاجات العرض كالأجبان والمطبوخات وغيرها.

أختتم بالإشارة إلى أن العمل خارج الاختصاص لا يجب أن يشكل مشكلة كما يردد البعض، ملايين الموظفين حول العالم الذين تخرجوا من الجامعات وجدوا فيما بعد فرص عمل بعيدة عن الاختصاص وتفوقوا بها. أتمنى من الدولة وضع المحفزات التي تصنف المنشآت من حيث إنفاقها على التدريب وتوفير بيئة العمل المناسبة والمحافظة على الموظفين والموظفات وتأمين المستقبل الواعد، مثل هذه المنشآت تستحق التقدير الذي بدوره سيدفع إلى المزيد من المشاركات الفعّالة من القطاع الخاص.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.