خارج علبهم العفنة
اليوم سأكتب عني، وعن كل امرأة نظرت إلى وجهها في المرآة فاجتاحتها آلاف الصور المنمطة، سيل من الإعلانات بأجسام مشدودة، وأفخاذ ممشوقة، وصدور مرفوعة، جامدة كأكواز صنوبر.
عن محيا فارغ من "تجعيدة" عمر أو ضحكة.
عن الأنف المدور، والصدر أيضا، عن الصوت الخافت الناعم والعقل أيضا، عن الضحكة الخجولة، والطلة الخفيفة، والحضور الموقر.
عن كل لحظة نهرنا فيها لأننا "استقوينا" ، أو لأننا فقط أردنا "قبض الريح".
عن كل تلك السموم التي خنقتنا، ولما تزل!
سأكتب عن تلك النساء التافهات اللواتي يتصدرن الشاشات، بلباس أو غيره، بعقل أو دونه، وعن نجمات منصات السوشيال ميديا، "مكبات" الإنترنت ومراحيضها، اللواتي كبلن آلاف الصغيرات، خطفن عقولهن، وعلبن أفكارهن بكم من النفايات.
وعن النسويات أيضا القويات، المستقويات بتعابيرهن الممجوجة.
منذ ولدنا، تقدم لنا الهدايا معلبة زهرية اللون، محشوة بالفساتين، ودبابيس الشعر الملونة.
بدءاً من أولى الكلمات، "نغذى" بكم من التفاهات عن الصح والخطأ، المقبول والمكروه، عن معايير جمالنا، أجسادنا ...ألعابنا والممنوع.
ونكبر محملين بأكوام من "المحظورات" من العمر إلى الوزن، فالحب والخيانة والجسد والعائلة وغيرها الكثير الكثير، حتى تصلين يوما إلى المرآة، تنظرين، تتلمسين تفاصيل ذلك الوجه أمامك، فترين أولى الخطوط اللعينة ترتسم...
ينتابك الهلع، لحظة من الهستيريا، تستذكرين كل أسماء أطباء التجميل السخيفة، تسترجعين أؤلئك النساء من حولك، "المشدودات"... طبعا
وفجأة توقظك تلك الأنا، المنسية بعيدا هناك، في سنينك الغابرة، يوم كنت أنت دون كل الصور الأخرى.
تتذكرين أنك رشقت غصبا بكل تلك القاذورات، وأن خطوطك، أو شعرك المتمرد وأنفك الذي ورثته عن والدك، وكل ما نهلته من تلك السنين، وما راكمته من خبرات وأفكار خارج علبهم العفنة، هو هذه الأنا، هو أنت، أنت "المغايرة" الغريبة، المختلفة عن ملايين النساء غيرك أو الرجال.
وبعد.. لست نسوية، ولم أكن يوما من محبي التيارات النسوية، لم تستسغني مطالباتهم بحقوق المرأة وكأنها مفصولة عن البشر، من كوكب آخر، وكأنها تماما ذاك الضلع، المكسور المشلع الذي خطف خطفا من جسد ذكر قوي، فأتى معطوبا.