القيمة المعرفية للمحلل السياسي

عيسى كنعان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تضج الفضائيات العربية بكمٍ هائل من المحللين على اختلاف "اختصاصاتهم" سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً...فمنذ ساعات الفجر الأولى وحتى ما بعد منتصف الليل يتنقل هؤلاء من محطة إلى أخرى على غرار نجوم الغناء حاملين إلى المشاهد أطناناً من الآراء والمقاربات بعضها لا يركب حتى على قوس قزح فتارةً ترى أحدهم يتحدث باسم الرئيس دونالد ترمب وكأنه ساكنٌ في البيت الأبيض منذ أمد بعيد ويرسم الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مع أنه لم يغادر لبنان مطلقاً وربما كان لا يعرف الفرق بين خطوط الطول وخطوط العرض، وطوراً تشاهد محللاً من ذات العيار يشرح خفايا المنظور الاستراتيجي للرئيس فلاديمير بوتين والسياسة الروسية بعيدة المدى في سوريا والمنطقة برغم أنه لم يزر موسكو ولم يلتقِ أي مسؤول روسي طيلة حياته.

أما والحال هكذا يصبح السؤال مشروعاً عن القيمة المعرفية للمحلل السياسي وهل فعلاً هو محللٌ سياسي أم أنه منتحل صفة "لتعبئة الهواء" في كثيرٍ من الفضائيات خصوصاً وأن معظم المحطات تستضيف "نشطاء" و"حزبيين" باعتبارهم محللين سياسيين محايدين.

صحيح أنه ما زال هنالك محللون حقيقيون يعرفون تماماً أثر الرأي السياسي على المشاهد (مع أن عدد هؤلاء يتراجع تدريجياً)، إلا أن استسهال استضافة أشخاص باعتبارهم محللين سياسيين واستراتيجيين دون التأكد فعلاً من حيثياتهم لمجرد أن ثمة خواء في برامج بعض المحطات ولتعبئة الهواء لا أكثر ولا أقل يطرح على بساط البحث مسؤولية أخلاقية ومعرفية تتعلق بأدبيات مهنة الإعلام، ولو أجرينا مقارنة سريعة حول كيفية استضافة المحللين في المؤسسات الإعلامية العالمية الكبرى سنجد أن هذه المؤسسات تُجري بحثاً مستفيضاً حول الضيف بدءاً من كتاباته وإسهاماته البحثية وصولاً إلى المناصب التي تبوأها، وعند تقديمه إلى المشاهد يجري التعريف به باعتباره يُمثل وجهة نظرٍ بعينها ليدافع عنها أمام الجمهور.الحال عنا مختلفٌ تماماً للأسف حيث لا رقيب ولا حسيب لذلك يغدو مصطلح المحلل السياسي شيئاً هلامياً وعاماً. أذكر على سبيل المثال أن شخصاً اتصل بي يريد الظهور على قناة العربية باعتباره محللاً سياسياً وقال لي إنه كاتبٌ ومعلق صحفي وبعد البحث والتدقيق تبّين لي أن كل كتاباته لا تعدو أكثر من "كليشهات" حزبية على موقعه على فيسبوك.

مثالٌ آخر على عدم "موضوعية" تقديم الضيف، ففي لبنان مثلاً وربما في معظم الدول العربية قلما تجد محللاً محايداً، فالكل مسّيسٌ ويُمثلُ وجهة نظرٍ حزبية أو "فئوية" ومع ذلك يُصر على تقديم نفسه بأنه محللٌ سياسي "حاف"، ولكن ما إن يبدأ النقاش حتى يتبين للمشاهد أنه ناشطٌ حزبي أو داعمٌ لهذا الطرف أو ذاك مع ما يعنيه ذلك من قِلة احترام لعقل المشاهد.

إشكالية أخرى هي في الضيوف الذين يتقاضون أجراً على ظهورهم الإعلامي، وبرغم أن القاعدة يجب أن تكون أن رأي الضيف لا ثمن له، إلا أن هذه الظاهرة رائجة ولا تطرح إشكاليةً "أخلاقية" لدى هؤلاء الضيوف أو الفضائيات التي تستضيفهم، لكن الطامة الكبرى في تحول التحليل والرأي السياسي إلى بورصة مالية ونشوء "سوقٍ" سوداء لسعر الضيوف وتسابق هؤلاء المحللين على جميع الفضائيات لنيل النصيب الأكبر من "الكعكة" خصوصاً وأن بعضهم يُصر على تعريفٍ عريض وطويل به يستغرق المذيع عشر ثواني لقراءته باعتباره خبيراً وباحثاً ومحللاً سياسياً في نفس الوقت (البعض يطلب إضافة المحلل الاستراتيجي أو الجيوستراتيجي إلى صفته) في حين أن تعريف شخصية بوزن "إنشتاين" يأخذ أقل من ثانية.

الطامة الكبرى هي في الضيوف الذين يُبدلون أو لنقل "يدّورون زوايا" مواقفهم السياسية تبعاً لسياسة القناة التي تستضيفهم، فعلى سبيل المثال كان ثمة عميد متقاعد تتم استضافته باعتباره محللاً عسكرياً لكنه يُبدل مصطلحاته لتتلاءم مع سياسة المحطة المُستضيفة فإذا كانت المحطة مثلاً تُعارض النظام في سوريا يستخدم هذا الخبير العسكري مصطلحات "جيش الأسد" و"الثوار"، "الميليشيات الإيرانية"... أما إذا كانت الفضائية مقربة من النظام فتتبدل المصطلحات تلقائياً لتصبح "الجيش العربي السوري"، "المجموعات الإرهابية"...الخ.

إن احترام وعي الناس يفترض بالجميع العودة إلى المنابع الأصلية للمهنة وتسمية الأمور بأسمائها، إذ أن تضليل الناس بهذا الشكل مسألة شديدة الحساسية ومن شأنها إفراز مجموعات وطوابير من "الشتّامين" و"المحرضين" دون أي قيمة معرفية، فوظيفة المحلل هي عرض وجهة نظرٍ مبنية على وقائع وأحداث، وليست تعصباً إيديولوجياً أو فئوياً خصوصاً وأن العامة لا تتمتع بالضرورة بالحس النقدي ولا تستطيع التمييز بين التحريض والرأي الحر.

بانتظار وضع "ميديا كارتا" جديدة للإعلام العربي تُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح وتُعطي الأولوية دائماً للإعلام قبل السياسة، لا بد من التنويه أن مواقف و"كليشهات" هذا النوع من المحللين لا تُلزمُ إلا من يُصدقها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.