.
.
.
.

قلب فرنسا المحترق في نوتردام

وسام كيروز

نشر في: آخر تحديث:

أن يتحول حريق في مبنى ديني قديم بباريس إلى الخبر الأول عبر العالم، وأن يستقطب ردود أفعال من معظم الدول، أمر يدعو إلى التساؤل: لماذا بدا العالم مصابا في الصميم بينما كانت النيران تقضي على 850 عاما من تجليات الحضارة الغربية، للمفارقة على ضفاف نهر دافق، هو نهر السين.
لعل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل كانت الأقرب الى تبسيط أهمية المكان بقولها إنه رمز "لثقافتنا الأوروبية"...
كاتدرائية نوتردام ليست كنيسة تاريخية عادية، بل هي نقطة تلاق قد تكون فريدة بين الجمال والتاريخ والدين والأدب. يعتبرها النقاد الشكل الأكمل لكنائس القرون الوسطى القوطية، كما أنها رمز باريس وقلبها بالنسبة للباريسيين، وليس برج إيفل الذي بني في نهاية القرن التاسع عشر ليكون معلما من المعرض الدولي "أكسبو"، واعتبره كثيرون حينها، وما زال الكثيرون يعتبرونه، معلما للبشاعة في مدينة النور، حتى أن هناك عرائض للمطالبة بتدميره.
نوتردام هي باريس. هي "النقطة صفر" التي يقيس منها الفرنسيون المسافة بينهم وبين العالم، وبينهم وبين أنفسهم. هي قلب "لوتيس"، الإسم التاريخي للعاصمة الفرنسية، والتي كانت تقتصر على جزيرة "سيتيه" التي يغمرها نهر السين. بُنيت على امتداد قرنين اعتبارا من العام 1163، وما أنفكت تتسع وتتطور.. والأهم، أنها ما انفكت تشهد على صفحات التاريخ، تاريخ باريس، وأوروبا، والفكر.

الجبال الوحيدة في الأراضي المسطحة

الكاتدرائية، كلمة تعني "الكرسي"، أي كرسي الأسقف، وليس لمعناها الأساسي أي ارتباط بشكل المكان أو ضخامته، لكن الكاتدرائيات الأوروبية التي بنيت في القرون الوسطى، كرّست صورة نمطية للكاتدرائية.
في الأراضي المُسطّحة، كانت الكاتدرائيات الجبال الوحيدة كما يصفها المغني والشاعر البلجيكي جاك بريل. شياطينها تناطح السحاب، وأجراسها وسيلة إعلام في أوروبا المُسطّحة جغرافيا، وفكريا. كان ارتفاع الكاتدرائية، الارتقاء الوحيد المتاح.
تجدر الإشارة الى أن القرون الوسطى كانت زمن الظلام في أوروبا، وقتها، بينما كان الشرق ينعم بالفكر والفنون. كانت أوروبا تحت سطوة الجهل والقمع والتسلط، ولاسيما منها الكنيسة المؤسّسة وقتها. كانت تلك الكاتدرائية العمل الحضاري الأبرز للشعب بأكمله. لم تكن تلك المباني تختزنُ التاريخ فحسب، إنما كانت تنقشه على حجارتها. أجيال تتعاقب على بناء الكاتدرائية الواحدة. مئتا عام بالنسبة لـ "نوتردام"، 630 عاما بالنسبة لكاتدرائية كولون الألمانية. الذين كانوا يبنون الكاتدرائية، العمّال الفقراء الذي ينحتون الحجارة، ما كانوا ليشاهدونها قط. كان الشعب يكتب تاريخه بالإزميل. لم يكن يكتب التاريخ فحسب، إنما ينحتُ تعليمه الديني وعقيدته. أمام جمهور من الأميين والجهلة، كان يجب أن تنقل التعاليم الدينية إلى العامة.. وإذا كان المسيحيون الأرثوذكس الشرقيون يترجمون تعاليمهم في إيقونات، من هنا يُقال، الأيقونة تُقرأ، كان المسيحيون الكاثوليك الغربيون يكتبون تعليمهم في كاتدرائيات، تبرز عناوينها على واجهاتها المُعقّدة.. كانت الكاتدرائية كتاب العقيدة المسيحية للجمهور الجاهل للمعرفة التي يحتكرها الساكنون.. داخل الكاتدرائية.
حاول المعماري الكاتالوني الأشهر أنتوني غاودي أن يعيد إحياء فكرة الكاتدرائية التي تبنيها الأجيال، وتؤرخ الزمن. مشروعه كاتدرائية "ساغرادا فاميليا" في وسط برشلونة لا يزال ورشة مستمرة منذ العام 1882. يتابع البناؤون خرائط دقيقة للمعماري، رسمها بيده، ولن ينتهي العمل قبل عقدين إضافيين من الزمن...

المقصلة والتاج وهتلر.. ونوتردام

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وعد بإعادة بناء نوتردام، قال إن الكاتدرائية هي "محور حياة" الأمة، لا شك أنه محق. فذلك المبنى كان قائما عندما كانت باريس مدينة مهترئة ينخرها الفقر ويقتلها الطاعون.. شهدت على موجات الأوبئة في القرون الوسطى.. اُعلنت فيها قداسة بطلة فرنسا ورمزها جان دارك التي قاتلت الإنكليز. رزلها ملوك البوربون عندما انتقلوا من باريس إلى فرساي، وعندما قامت الثورة، نهبها الثوّار، وقُطع رأس الملك لويس السادس عشر بالقرب من الكاتدرائية العام 1793. حوّلها الثوار الملحدون الغاضبون على الكنيسة، إلى هيكل "لعبادة العقل"، ثم أعادها نابليون كنيسة ليتوج فيها العام 1804 أمبراطورا نهما مُستعدّا لاكتساح أوروبا. قبل أشهر كان نابليون توّج نفسه بنفسه، أمام بابا روما، مُتمرّدا على تقليد قديم بأن البابا هو من يتوج ملوك الغرب. قامت أحداث باريس الدامية العام 1831 وهو ما شهدت عليه الكاتدرائية، ثم شهدت على الحربين العالميتين الأولى والثانية... الزعيم النازي أدولف هتلر الذي دخل باريس المُهادِنة، أو حتى المستسلمة، ابتسم داخل الكاتدرائية شاعراً بحسب المؤرخين بـ "شبق" الانتصار على مدينته المُفضّلة التي كان يريد أن يضمها سالمة الى امبراطوريته، بينما يُبرر مؤرخون آخرون استسلام فرنسا المارشال بيتان بالرغبة في إنقاذ باريس، فجواهر باريس، وأكبرها نوتردام، اعتبرها بعض الفرنسيين أثمن من كرامة الدول.

من الإيمان إلى التمرد الأدبي

أنقذ نابليون الكاتدرائية مرة أولى، ثم أنقذها مرة ثانية الروائي الفرنسي الكبير فيكتور هوغو، في رائعته الخالدة "أحدب نوتردام".. الرواية نفسها تتضمن مقطعا مخيفا.. صفحتان تصفان حريقا مُتخيّلا يعصف بالمكان: "كانت العيون ترتفع إلى أعلى الكنيسة... حيث كانت ألسنة اللهب تتصاعد من بين برجي الأجراس بزوابع من الشرارات"..
رواية هوغو حوّلت الكاتدرائية إلى جزء من الإرث الأدبي للبشرية..
وإذا كانت الكاتدرائيات تكتب تاريخ أوروبا، فقد تكون النيران المُرعبة التي شاهدها العالم ليل الخامس عشر من أبريل 2019، قد تكون ندوب هذا الزمن في كتاب الكاتدرائية المفتوح.. قد تكون السطر القصير الذي يكتبه هذا الجيل في القصة، وفي التاريخ الذي سيستمر.
أحدب نوتردام الذي كان يعيش على سطح الكاتدرائية، فقد في الواقع بيته، بعدما فقد في الرواية حبه "إزميرالدا"...
هناك قناعة بديهية بأن العبقرية البشرية التي بنت الكاتدرائية، ستنجح في ترميمها مجددا، ليس لقيمتها فقط، بل للحاجة إليها في فرنسا، والغرب. نوتردام هي مكان واحد يرمز إلى البحث الديني، ويشهد على البحث عن طريق آخر. هي رمز لتسليم الدين، وتمرّد الأدب في الوقت ذاته... وأيضا، هي الدليل في فرنسا المُوغلة في العلمانية حتى الإلحاد، على المكانة التي لا يمكن تجاوزها للدين في حياة الشعوب.. فرنسا التي ترفع شعار العلمانية، تُقيم مراسم جنازة رؤسائها في كاتدرائية نوتردام، في آخر طقوس الارتباط بين الجمهورية والكنيسة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.