.
.
.
.

عبدالعزيز بوتفليقة.. والنهاية الحزينة للمزيد

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

ظل بوتفليقة، حتى الأمس القريب، أبرز النجوم الساطعة في جبهة التحرير الجزائرية، وألمع آلياتها الدبلوماسية، وأوفى المقربين من الرئيس الهواري بومدين، وأفصح الحناجر التي هضمت فلسفة الثورة الجزائرية، كان بوتفليقة خلطة فيها المثير وفيها الجميل، فيها التصلب وفيها المغامرة، كان رسول الثورة بعد الاستقلال، انطلق مع نهاية أحمد بن بيلا، فكان أقرب الناس للزعيم الجديد أبومدين، شريكاً له في رسم الخط الجزائري السياسي الذي اتفق عليه زعماء الثورة بعد التخلص من بن بيلا، الذي تبنى النهج الشعبوي الديمغوغي غير المناسب لحياة الجزائر بعد الاستقلال.

صار بوتفليقة صوت بومدين إلى العالم العربي والعالم كله، ولذلك تواجد في اجتماعات الجامعة العربية كوزير للخارجية ولجان في بطن أفريقيا وفي عدم الانحياز ومنظمة الأمم المتحدة.. عرفته من لقاءات الجامعة العربية عندما كنت أسافر مع سمو الأمير في الستينيات إلى تلك الاجتماعات، كان بوتفليقة مجاملاً واقعياً مع الأجواء العربية المملوءة بالتوتر بين أعضاء الجامعة، ولم يكن طرفاً في المحاور، لكنه كان مقرباً من مجموعة دول الثورة الراديكالية، له شأن في القاهرة ومزايا في دمشق، وصداقات في المغرب وتونس، مع التزام بوقفة جزائرية ليست طرفاً في الحرب العربية الباردة، ومسكونة بطموحات خاصة مستوحاة من عناء النضال ومتاعبه. ورغم أنه صديق الفكر لأبومدين، فقد كان منفتحاً خليجياً لم ترافقه الغلاظة الناشفة للأيديولوجيين العرب، ولم يحمله الادعاء الثوري إلى التعالي، كان مريحاً مع مسؤولي الخليج، ومرتاحاً لهم ومهضوماً لديهم. جاء إلى الكويت عدة مرات دائماً في مأمورية قروض وبرامج تنمية، وكان مراعياً التوازن في المواقف، يثمّن مواقف الخليج التنموية، وعلى اطلاع على صدق نواياهم، فتآلف معهم وارتاح لمجالسهم، وعاش في الإمارات فترة طويلة قبل أن يعود إلى الجزائر كمرشح جماعي ليتولى المسؤولية فيها بعد أن تعثر الآخرون وعجزوا عن التوافق بين أدبيات الثورة ومنطق الحقائق، فتاهت دبلوماسية الجزائر مع زروال وبن جديد، فاتسح له الممر السياسي ليدخل فيه بعزم إلى عودة الجزائر إلى ديناميكية المبادئ والالتزام.

كان طموحاً بتعقل، لا يربكه الحماس ويندفع فقط عندما تنكشف له الفرصة التاريخية، تنطبق عليه حكمة نابليون «قلب رجل الدولة في رأسه». عندما كنت في الأمم المتحدة، عاصرته لأنه كان آخر المتحدثين في خطب الوزراء، دائماً في الأسبوع الأول من أكتوبر، كان يقضي وقتاً في نيويورك، الأمر الذي أتاح لنا كسفراء التواصل معه. بهدوء، رسم خطة ليتولى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، وبدعم من أفريقيا ودول عدم الانحياز تولى الرئاسة حاملاً مشروعاً ثورياً لا تعرفه الجمعية العامة، كان أول قرار اخراج وفد جنوب أفريقيا من قاعة الجمعية العامة، متخذاً حجة سياسية على أساس حكومة جنوب أفريقيا البيضاء لا تمثل أغلبية الشعب، وبالتالي فإن الوفد الدائم ليست له شرعية، ووسط صراخ الدول الغربية، كانت القاعة تصفق له، فلا مجال للتراجع، وتخرج جنوب أفريقيا من الأمم المتحدة وتعود بعد زمن بقيادة مانديلا. ويأتي ياسر عرفات ويستقبله بوتفليقة كرئيس دولة، ويصرخ الغربيون بالاحتجاج فلا يعبأ بالصراخ، واعياً للدعم الذي يتمتع به من الأغلبية، أدار الجمعية العامة بالمنظور الجزائري، فلا أهمية للوائح مع قضايا التحرير وحقوق الشعوب. كان بوتفليقة صديقاً لسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، من ارتباط قديم تعاظم داخل الجامعة العربية ومن مؤتمرات كثيرة، مثل عدم الانحياز والمجموعة الإسلامية ولقاءات الأمم المتحدة. في عام 1973، تمكن الجيش المصري من عبور سيناء وانشغلت الأمم المتحدة بتلك المفاجأة السارة، ومع الدور الأميركي في دعم إسرائيل، اتفق وزراء الخارجية العرب المتواجدون في الأمم المتحدة على اختيار كل من سمو الأمير، والسيد عمر السقاف وزير خارجية المملكة العربية السعودية، والسيد بوتفليقة، لمقابلة الرئيس نيكسون، وتم ذلك حيث قدّم الوزراء الموقف العربي، المهم أن الرئيس بوتفليقة أخبرني بعد اللقاء بأنه فوجئ بقوة الموقف السعودي – الكويتي، وأنه لم يتصور فرض حظر النفط على الولايات المتحدة، ويردد اعجابه بالقرار وبشجاعة القيادة في الكويت والمملكة والإمارات.

حافظ بوتفليقة على هدوئه في الأزمات وفي المسرات، فلا ينفعل ويتحدث بثقة المؤمن ويدافع عن دبلوماسية الجزائر بحس المحارب. ومع كل ذلك، لم يكن بوتفليقة شخصاً يمكن التأثير عليه، فقد كان ناعماً مؤدباً، لكنه كان مسكوناً بالثورة الجزائرية وحاملاً مشعلها، ومفسراً أسرارها وكاشفاً سحرها. كانت الكويت عضواً في المكتب التنفيذي لحركة عدم الانحياز، بعد قمتها في الجزائر عام 1975، وكنت أمثل الكويت عندما دعت الجزائر لعقد اجتماع للمكتب التنفيذي في العاصمة الجزائرية على مستوى وزراء الخارجية، كان بوتفليقة يترأس الاجتماع، وتوالت خطب المشاركين، وهنا جاءني صديق من وفد الهند يشكو لي بوتفليقة بأن الوزير الهندي كلما طلب الكلمة وجد اسمه في ذيل القائمة، تحدثت مع بوتفليقة ولم يعط الأمر أهمية لأنه لا يستذوق المقاومة بالبيانات، مقاومة غاندي لا تملأ عينه، المهم أن الوزير الهندي ألقى كلمة بعد معاناة وكان رجلاً كبيراً وقوراً في عاصمة تنعشها الشدة. كنت أشاهد الصور للرئيس بوتفليقة وأنزعج من تلاشي الطاقة وهزال الجسم وضياع الأبهة، وتآكل المجد الذي رافقه في مختلف المنصات في الأمم المتحدة وعدم الانحياز والجامعة العربية وصالونات الأمم المتحدة، وكنت أتحدث عن موقف الجزائر من الغزو، ولم يكن أداء الرئيس بن جديد موضع تقدير من قبلنا، وكنا نتحسر على أيام بوتفليقة ونجزم لو كان هناك لكان صوت الجزائر منبع الايحاء في نصرة الحق والمبادئ. انسحب بوتفليقة بعد أربع دورات كان مؤثراً في بدايتها، وتائها في آخرها، وخرج بعد صيحات هادرة، من جموع الشعب الجزائري، مردداً وفيت وكفيت. ونحن الذين عرفناه وصادقناه وهم كثيرون، سيحتفظون اعجاباً بحصاده المثير. داهمه المرض فتحطمت الأحلام ووهن الجسم وتاهت الإرادة، فارتفعت حناجر الاعتراض وتبدل التاريخ.

*نقلاً عن صحيفة "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.