أحمد الربعي.. سيد السجالات

قاسم حداد
قاسم حداد -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

1
أحمد الربعي، المناضل الكويتي، كان قد عَبَرَ التجارب السياسية الكثيرة بما يكفي لمراجعتها كاملة. وإذا كان ثمة دروس تركها لأصدقائه، خصوصاً الذين احتفلوا في البحرين قبل أيام، بذكرى وفاته العاشرة، فهو درس الحوار وإعادة الحوار بقبول كل الأفكار المختلفة. إن أهم ما كان يتميّز به الربعي هو موهبة السجال الإيجابي، من أجل عدم فقد الأمل في العمل، والاستعداد للخروج من الظروف المستحيلة الى مرحلة المواقف الصعبة، ومن ثم اكتشاف آفاق الحلول الممكنة بدرجة متقدّمة من الوعي: وعي الظروف واستيعاب الخصوم، خصوصاً عندما نكون مستعدين لعدم اعتبار الخصوم اعداءً.

2
سيكون لاستذكارنا أحمد الربعي معنى عندما نعتبر بتجاربه، ونتأمل درسه بشكل يفيد ممارستنا الراهنة، وإلا فالطحن العاطفي المجرد سوف يسحق قلوبنا بلا معنى ولا فائدة. فموتانا من الاحباء أصحاب الفكر والتجربة، عندما يموتون تذهب دروسهم معهم، إن لم نستحضرهم بالعمق اللازم والرغبة والاستعداد الضروريين، من أجل جعل حضورهم فاعلاً في حياتنا، نحن الذين لا نزال بحاجة الى المعرفة ما دمنا في الحياة، وما دام الواقع يقع على كواهلنا.

3
وظني ان حياة احمد الربعي قد اختزلت التجربة الوطنية في الخليج المعاصر. فبعد الاعتقال والسجن عاد الربعي الى العمل السياسي عابراً النضال البرلماني والمسؤولية الرسمية في وزارة التعليم، وظل ناشطاً يميّز، بحضوره الفعّال العديدَ من الندوات الثقافية في مختلف الشؤون العربية. كان يفعل كل ذلك، بحماسة منقطعة النظير، من دون أن يفقد طبيعته العفوية الصادقة، ولا هويته الشعبية، رغم بعض السياقات الرسمية.

4
كان ذلك نموذجاً واضحاً من الجيل الذي انبثق مع انطلاق الروح القومية في ستينات القرن الماضي، جيل شباب «حركة القوميين العرب»، حيث كانت الأحلامُ على قدر الأمل، وتفيضُ عليه أحياناً. ففي تلك البوتقة القومية نَهَلَ منها رعيلٌ واسعٌ كثير الفعالية، تيسّر له أن يشكّل معيناً غنياً للكثير من التجارب النضالية، في مناطق مختلفة من البلاد العربية. لذلك؛ ستجد التداخل الفذّ بين تجربة أحمد الربعي هنا، وبين العديد من فعاليات عربية أخرى، متقاربة مع الدرس الذي يقترحه الربعي على المشهد النضالي العربي، خصوصاً في حقل الثقافة المتصلة بالمجتمع والمستقبل.

5
الموهبة الشخصية التي استطاع أحمد الربعي تأكيدها والعمل بها وتكريسها في مجمل فعالياته، كانت موهبة الحوار، حيث جعل اقتراحه العملي يتمثل في الطبيعة السجالية حارّة المشاعر، عالية النبرة، ساطعة الفكر والمراجعات. تلك الموهبة هي ما نستطيع رصدها في كل الحوارات التي شارك فيها، أو اجترحها اجتراحاً على الواقع العربي، وفي منطقة الخليج خصوصاً، في ما كان يسميه أحياناً: البرزخ الفجّ بين (الثورة والثروة). ولعل موقفه المتأمل والنقدي الرصين لتحوّلات الواقع في منطقة الخليج، قد منح الربعي احتراماً مهيباً من الأطراف الكثيرة في عموم المناطق التي عمل وتحرك فيها. وهو احترام يقوم على الثقة في المعرفة التي يتميز بها احمد الربعي علماً وعملاً. وهي معرفة ذاتية تبلورت نحو موقف وتحليل شخصيين، عرف بهما أحمد الربعي في حواراته.

6

ولعمري ان طبيعة السجال الحوارية، وشهوة المراجعات النقدية هذه، التي اقترحها على الواقع، لو أن ربع الذين يحتفلون بتجربة أحمد الربعي في السنوات الاخيرة، أقول لو انهم وضعوا درس «الحوار والمراجعات النقدية» موضع الممارسة، لتيسّر للعديد من مشاكلنا العلمية، في حقل السياسة، بعض الانفتاح الفكري الغائب عن سلوكنا العملي، معوقاً بلورة عملنا العام.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط