.
.
.
.

رئيس التحرير.. رقيبًا!!

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

قبل تأميم عبدالناصر للصحافة فى مايو ١٩٦٠ كانت الرقابة على الصحف تدفع بأحد رجالها ليجلس فى صالة تحرير الجريدة، وتحت تصرفه خط تليفونى مباشر مع «الرقيب العام»، وكان مقره إما فى هيئة الاستعلامات بشارع سليمان باشا، أو بجوار مكتب وزير الإعلام، فى مبنى التليفزيون، وقبل أن يدخل مقر الجريدة كان يتلقى من الرقيب العام ما يجب حذفه.. أى عدم نشره.. وبسبب توطد العلاقة بين الرقيب وبيننا كنا نعرف «كيف تحكم مصر» من خلال معرفتنا للممنوع من نشره.. وأيضًا نعرف اتجاهات الدولة، فقد كان مكتبى بقسم المعلومات بصالة تحرير الأخبار، مجاورًا لمكتب الرقيب، وكلمة من هنا وكلمة من هناك، كنا نقوم بعمل الرقيب أحيانًا، ومرة أخبرنى الرقيب بأنه مضطر لترك مكتبه لمدة ساعة.. وأوكل لى مهمة مراجعة بروفات الأخبار نيابة عنه، وترك لى «ورقة الممنوعات»، وهكذا كنا نعرف مسار سياسة الدولة الإعلامية!!، إذ كانت مهمتى ــ بقسم المعلومات ــ أن أقرأ كل البروفات قبل «أن تنزل بالصفحة» لأصحح ما بها من معلومات وأخبار.. ثم أقوم بوضع ختم القسم عليها.. إيذانًا بالنشر.

وكم من معارك نشبت بين رؤساء التحرير والرقباء. وهنا كان رئيس التحرير يلجأ إلى الرقيب العام ليحاول نشر خبر يعترض عليه الرقيب المعين لدار أخبار اليوم.. وغالبا ما كان الرقيب العام ينتصر للرقيب المعين للدار.. ولكن بمجرد التأميم صارعبدالناصر هو الذى يعين وينقل ويفصل رئيس التحرير.. ولم يفلت من ذلك إلا الأستاذ محمد حسنين هيكل إذ كان ينشر وعلى مسؤوليته ما يشاء.. رغم اعتراض الرقيب معتمدًا على صلته الشخصية بالرئيس عبدالناصر.

وأراد الرئيس السادات أن يريح نفسه من وجع الدماغ مع الرقباء. فكان قراره شديد الذكاء بأن يصبح رئيس التحرير هو الرقيب الحقيقى، كل فى الصحيفة المعين رئيسا لها.. وأى خطأ هنا يكون عقابه إما نقل رئيس التحرير إلى صحيفة أخرى.. أو منعه من الكتابة.. ويصل الأمر إلى الفصل!.

وبكل أسف تحول رؤساء التحرير أيامها إلى قطع شطرنج لم يسلم منهم لا أشهرهم فكرى باشا أباظة، ولا أقدرهم مصطفى أمين.. ولا حتى من كان صديقًا للرئيس من أمثال إحسان عبدالقدوس.. أو أقربهم للرئيس ــ أيامها ــ مثل أحمد أبوالفتح.

إلى أن وصلنا إلى واقعة فصل عبدالرحمن الشرقاوى من روزاليوسف وتعيين آخر رئيسًا للمؤسسة ورئيسًا لتحريرها، فى الواقعة التى ذكرتها أمس والطريقة التى اختار السادات بها رئيس التحرير الجديد مكانه.. .

■■ ولذلك انهارت سمعة الصحافة المصرية.. وتفوقت الصحافة اللبنانية وأخذ المواطن المصرى يلهث ــ بحثًا عن الأخبار ــ وراء ما تذيعه الإذاعة البريطانية، وراديو لندن بالذات.. ومونت كارلو وغيرها، وفقدت الصحافة المصرية ريادتها.. ولذلك انطلق معظم أحرارها للعمل خارج مصر!!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.