مفكرة جدة: حسن النوايا لا حسن الجوار

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

كعادتها، أو بالأحرى طبيعتها، في بسط الألفة والمصالحة والمحبة، استبقت إيران قمّتي مكة، بالدعوة إلى معاهدة حسن جوار مع دول الخليج. وبدلاً من أن يتلقف الخليجيون الدعوة بالفرح والتهليل، راحوا يشككون في أهدافها ونواياها، ويطرحون سؤالاً واحداً: ماذا تريد طهران من وراء ذلك؟

اسمحوا لي بالإجابة. أولاً، وقبل أي شيء، تريد أن تسترد الجزر التي سرقتها منها الإمارات؛ ثانياً، تريد من دول الخليج أن يكفوا عن دفعها إلى الاستيلاء على ما استولت عليه من سوريا والعراق؛ ثالثاً، تريد من الخليج أن يقف معها على قدم المساواة في العلاقات مع الدول الكبرى، بحيث يعود منطقة طمأنينة وراحة بال وازدهار مشترك على الضفتين.

تريد إيران كف الاعتداءات، بكل اختصار، وقف الصواريخ والدرونات التي يطورها الحوثيون في مصانع صعدة من أجل نسف المصافي والمخازن في الأراضي الإيرانية.

تريد جواراً هادئاً وعلناً هادئاً. تريد وقف التحريض المذهبي. تريد الوئام واللهجة الحسنة. أليس واضحاً بعد أربعين عاماً، أن هذا بالضبط ما تريد؟

تريد إيران صد عدوان البحرين على أمنها الداخلي، وأن تكف عن مخاطبتها بلهجة استعلائية متغطرسة ومقززة، وعن المطالبة بضمها إليه. نعم، هذا ما تريده. تريد حسن الجوار لا حسن «الحرس الثوري». تريد وقف التحالفات ضدها مع تركيا العزيزة. تريد من قطر التعقل والنضوج والعودة إلى أهلها. تريد معاهدة عدم اعتداء مع الخليج لكي يتركها تنصرف إلى بناء اقتصادها الداخلي والاهتمام بشعبها بدلاً من العصا الغليظة التي يرفعها في وجه العالم، وخصوصاً في وجهها، مهدداً سياستها السمحة، معكراً مبادئ احترام الجوار وسياسة عدم التدخل. هذا ما تريده إيران. ومن له عينان فليرَ. تريد ما أرادته منذ أربعين عاماً: الطمأنينة للجوار والسلام للجميع.
تريد إيران نشر الرخاء الاقتصادي. كالاعتماد على اقتصاد مثل اقتصاد إردوغان. كالشراكة العظمى مع نيكولاس مادورو، صاحب معجزة المجاعة في فنزويلا. تريد أن يشاركها الخليج في حروب يومية، وحصار دائم، وتحدٍ هيولي عبثي، ومناطحة لا معنى لها في لعبة منسية منذ الحرب العالمية، اسمها الحصار.

أفضل رد على إيران وتركيا كان القمة العربية والقمة الإسلامية والقمة الخليجية في مكة. حتى الهند رفضت أن تقف إلى جانب تركيا وإيران في العقوبات. وحتى إردوغان، البطل بالأمس، عاد في الغد وامتنع عن شراء النفط الإيراني. قمم مكة رسالة شديدة الوضوح بأن المساخر السياسية لم تعد مقبولة من الشعوب. ولم تعد الناس تقبل العقاب من أجل سياسات فارغة وبطولات طفولية.

حضرت في مكة لغة ملك يعلن أن الإسلام ليس وجهة نظر. وليس نعرات الماضي. وحسن الجوار ليس في حاجة إلى معاهدة، بل إلى عهد.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.