أوروبا التنويرية.. ودرب الآلام الليبرالية

إميل أمين
إميل أمين -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

هل بات القلق على أوروبا التنويرية أمرا واجب الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة؟

إنها أوروبا التي أعطت للعالم جون لوك ورؤيته للتسامح، وهوبز وفلسفته عن الإنسانية بحلوها ومرها، وفولتير وحديثه عن حق إبداء الرأي، وجان جاك روسو ونسجه للعقد الاجتماع، وكانط الذي علمنا فضيلة النقد، عطفا على هيجل ورؤيته لمكر التاريخ، والعشرات بل المئات من الذين حملوا مشاعل التنوير تجاه الآخر، وأبعدوا شبح العزل والإقصاء، وفتحوا الطريق واسعا أمام الحرية والعدالة، الإخاء والمساواة... كيف لأوروبا أن تبدأ مسيرة تنتكص فيها على مبادئها ورؤاها التنويرية؟

السؤال المتقدم وازعه نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في الأيام القليلة الفائتة، وأسفرت عن صعود الأحزاب الشعبوية، واليمين المتطرف، والخضر، أولئك الذين أحدثوا اختراقا لهيكل البرلمان الأوروبي الذي درجت قوتان تقليديتان فقط على السيطرة عليه، وهما المسيحيون الديمقراطيون، والاشتراكيون الديمقراطيون، لاسيما بعد أن حقق تحالف أوروبا الأمم والحريات الذي يضم الأحزاب القومية وقوى أقصى اليمين تقدماً ملموسا، وحصل على 58 مقعداً في البرلمان الجديد.

نتائج الانتخابات الأخيرة وعلى الرغم من احتفاظ القوى المؤيدة للاتحاد الأوروبي بغالبية كبرى، إلا أنها تعد بداية مسيرة مزعجة لحالة التوافق داخل الكتل البرلمانية الأوروبية الكبرى، وتفتح الباب أم طروحات وشروحات المناهضين للاتحاد والساعين إلى الانفصال، والراغبين في العودة إلى أزمنة اليمين الأيديولوجي المتزمت والمتعصب ضيق الآفاق، والذي قاد أوروبا إلى أكبر محرقة بشرية خلال الحرب العالمية الثانية.

أسئلة عديدة وخطيرة تطرحها نتائج الانتخابات الأخيرة، وفي مقدمها: "من المسؤول عن عالم الشعبويات المخيف الماضية البشرية في طريقه تترى؟ وما هي الضرائب التي ستتكبدها الإنسانية إذا لم يتم إيقاف هذا المد العنصري، الذي لن يلبث أن يعيد سيرة المواجهات العقائدية، وربما يدفع الإنسانية مرة أخرى في طرق التناحر الديني، وكأن عالم ما بعد العلمانية الجافة، هو الأصوليات والقوميات الشعبوية المتطرفة؟

الحقيقة المؤكدة أن أوروبا اليوم تمضي في طريق مزعج تنجرف فيه عن جادة الليبرالية التنويرية التي درجت على المضي في سياقاتها ونطاقاتها، الأمر الذي يزيد ولاشك من حالة الارتباك الملمة بالمشهد الدولي، وقد كان الرهان طويلا على عقلانية الأوروبيين بوصفهم قلب العالم القديم، كما أشار ذات مرة السير هالفورد ماكيندر رجل الجغرافية السياسية البريطاني الأشهر.

يعن لنا التساؤل كذلك: "هل النتيجة الأخيرة هي رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر لفشل أنساق العولمة الحديثة؟ أليس الفرار من كيان الاندماج الأوروبي الموحد إلى المجتمعات القومية المنفصلة، خير دليل على أن نقصا جوهريا بات يشوب طرح العولمة الذي بشر به دعاتها وعرابوها أوروبيا وأميركيا؟

يعرف القاموس لفظة شعبوية بأنها التركيز على هموم الناس العاديين، أولئك الذين يضحون "شعبويين" عند ممارستهم مهام حياتهم لا سيما في إطار العمل السياسي حول العالم.

والثابت أن جوهر الشعبوية كما يذهب الكاتب الألماني "بان فيرنر مولر" يكمن عند البعض في الموقف المعارض للمؤسسة الحاكمة"، لكنه يرى أن التعريف على هذا النحو ناقصاً، إذ يجب، علاوة على معاداة النخبة، إضافة عنصر آخر هو المتمثل في معاداة التعدد. إن ما يمثل جوهر كل الشعبويين يكمن في التعبير عنه تقريباً كالآتي "نحن ونحن فقط من يمثل الشعب الحقيقي".

هل نحن إزاء أصولية أوروبية ترتدي قناعا قوميا أو شوفينيا؟

من لا يقبل الآخر ويعتبر ذاته مركز الكون، هو التعبير الواضح والفاضح للأصولية التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، سواء كانت أصولية دينية أو أرثوذكسية سياسية ذات ملامح ومعالم سيكولائية اجترارية.

ما يجري في أوروبا مشهد كارثي وتبعاته واستحقاقاته سوف تنسحب ولاشك على كثير من بقاع وأصقاع العالم، وسوف تتجاوز أوروبا إلى جيرانها لاسيما وأن الحركات الشعبوية حول العالم اليوم، تعكس خلافات سياسية في الكفاح من أجل ما يطلقون عليه "الأفق الشعبوي" ذاك الذي يتمثل في فكرة "البلد الموعود"، و "محو الذنوب" عطفاً على عودة الشعب إلى نقائه الأصلي، والأمر هنا لا يتعلق بالحاضر فقط بل هو نتاج أفكار يوتوبية ماضية، لاسيما فكرة الكفاح الأبدي للخير ضد الشر، وحتمية الانتصار التاريخي للطهرانية، وإن كلف ذلك المرء الكفر بالواقع، بل محاولة تعديله وتبديله بأدوات عنيفة.

عرف العرب قديما أوروبا بأنها "الأرض الكبيرة" أو "الأرض الواسعة"، هكذا وصفها الجغرافيون الاوائل، وقد كانت محط اهتمامهم وانتباههم، لاسيما وأنها الجار الأقرب، وقد جرت في المياه الإنسانية بين الأوروبيين والعرب سفن كثيرة، وموجات من التلاحم الإنساني بكافة أشكاله، سلما أو حربا، ما يعني أن العلاقة بين الجانبين كانت وستظل مؤثرة وفاعلة.

استدعاء العنصر التاريخي هنا يحيلنا إلى قضية تأثيرات وتجاذبات نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي على العالم العربي.. ماذا عن هذا؟

يخشى المرء أول الأمر وآخره، أن تكون هناك ردات فعل سلبية، فالأصوات القومية والشوفينية الأوروبية الزاعقة وراياتها الفاقعة حكما سوف ترى في العرب والمسلمين داخل أوروبا وخارجها أحد أسباب مشاكل القارة العجوز في العقود الأخيرة.

الرؤية غير المستنيرة المتقدمة لابد لها وأن تدفع الأصوليات الإسلاموية ناهيك عن حركات التطرف والإرهاب المباشرة إلى ردات فعل مماثلة، سوف تعتبر ما يجري في أوروبا تأكيدا لمصداقية ما تقول به من عداوة متجذرة في النفس الأوروبية تجاه العرب والمسلمين، ما يفيد باختصار غير مخل، هدم كل محاولات بناء الجسور بين الأوروبيين والعرب، وإقامة الجدران العالية التي تحجب البشر عن بعضهم البعض، والعودة إلى زمن الجيتو مرة أخرى.

هل يمتلك اليمين الأوروبي أداة لم تعرفها التنظيمات السياسية الأوروبية في الآونة والعقود السابقة، يمكن أن تيسر لها انتشارها السريع في خلايا وحنايا المجتمعات الأوروبية؟

من آسف باتت هيمنة قوى اليمين الأوروبي على وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال الفضاء السيبراني، شبه مؤكدة، ما يعني أن الأفكار تنتشر الآن بين شباب أوروبا بأسرع آلاف المرات مما كانت الحال قبيل الحرب العالمية الثانية.

في الآونة الأخيرة بحت أصوات المؤسسات الأوروبية التقليدية، الاجتماعية والثقافية، وحتى الدينية، ومن يتابع تعليقات وتصريحات بابا روما، البابا فرنسيس، وبقية الكرادلة النافذين الرافضين لهذه التوجهات الاحادية والتي تضيق الواسع، وتعظم من الذات الأنانية، يدرك الشرخ في الجدار الاجتماعي الأوروبي.

الخلاصة: حيث الجدران العالية يسود الظلام ويغيب التنوير، وتبقى الديمقراطية الأوروبية أمام استحقاق تاريخي ومفصلي، فإما التمسك بالأنساق الإنسانوية التنويرية، أو ترك الساحة فارغة للشعبوييين، والذين يدعون أنهم وحدهم القادرون على الوفاء بالوعد الأصلي للديمقراطية والمتمثل بتحقيق الاتونوميا الجمعية وهم عاجزون عن ذلك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط