عندما يكون التغيير انتقالياً.. والسوداني في الوسط

بديع يونس
بديع يونس -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لم تجرِ رياح الانتقال بالسودان كما اشتهاه السودانيون. موجة التغيير أتت عليهم وعلى الانتقالي. أغرقت اعتصامهم بالدماء، والمسؤولون عنه سودانيون مع اختلاف مواقعهم: في العسكر، في قوى المعارضة أو في ساحة الاعتصام. لا الرياح ولا الأمواج مسؤولة عن إغراق السفينة بل ركّابها الذين حاول كل منهم أن يكون القبطان ويمسك عجلة القيادة خلال العاصفة.

الموقع الصحافي في هكذا كوارث سياسية وأمنية غالباً ما يرى صاحبه صورة مغايرة قد تكون أكثر شمولية واتساعاً عن كل من الأطراف. لا انفعالية في أحكامه، ولا أجندات لديه أو ردود فعل على أحداث آنفة أو ذكريات أليمة قد تؤثر في رؤيته للواقع. يسأل بهدف الاستفسار ويستقصي كل جانب من جوانب الأحداث.. يستمع لهذا وذاك ويدقّق بالصور والشهادات والبيانات حتى يحدد موقعه ويستشف بعضاً من حقيقة ما يحصل.

في السودان اليوم، الشارع قال كلمته. عزل الرئيس السابق عمر البشير ولفظ نظامه. جلس في ميدان الاعتصام حتى إشعار آخر. مفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى التغيير دخلت بتفاصيل التفاصيل وعجلة السودان "معتصمة" حدّ التوقف. اقتصاد ومعيشة لم "تتغير" أو "تنتقل" إلى أي مكان أفضل من أيام البشير. فمن خرجوا لأسباب حياتية ومعيشية نسوا لقمة العيش ودخلوا مناكفات السياسة على حساب قوتهم اليومي. جمود لا يعرف إلا أصواتا وصرخات وتظاهرات وقوى دخلت بتفاصيل الأرقام والتمثيل ونسيت أنّ اندلاع التظاهرات كان لأسباب حقوقية بحتة: حرية الرأي، حق العيش الكريم وحقوق الإنسان. هذه الحقوق والحريات تحوّلت بسرعة إلى حق مكتسب نسيه السودانيون سريعاً ودخلوا في دهاليز السياسة. والبلاد مشلولة!

المعتصمون وثقوا بقوى المعارضة السياسية. المعارضة السياسية لا تريد الجيش إلا في ثكناته. والجيش يرفض تسليم البلاد ورميها في الفراغ في ظل تهديدات المرحلة. كل في موقعه محق. أما غير المحق فيبقى من يعوّل على الفراغ وفلتان الشارع في ظل الظروف الحالية. الاعتصام حق لحين تهديده الأمن العام. المعارضة حق إذا كانت ضمن الإطار السياسي لما فيه خير المواطن والبلاد. وعودة الجيش إلى الثكنات ضرورة إلا إذا ترك الجبهة المشتعلة.

مما لا شك فيه أن النوايا صادقة، لكن بعدها الإجرائي حالياً لا يأخذ السودان إلا إلى فوضى دموية. المجلس العسكري يقول إنه لم يفض الاعتصام. قوى التغيير تتهمه باستخدام القوة المفرطة ضد المعتصمين. المعتصمون رأوا نفسهم بوجه الجيش "حامي أراضي الوطن". مما لا شك فيه أنّ المجلس العسكري ليس لديه خبرة بالسياسة ودهاليزها ووجد نفسه يواجه المعتصمين فيما يؤكد أن فلتان الشارع استغله "مجرمون". قوى التغيير وجدت فرصة سياسية للضغط على المجلس العسكري من الأحداث تلك، لكنّ رهانها ليس في موقعه، فضرب مؤسسة عسكرية ووضعها بمواجهة الشعب لهو إما "مؤامرة شيطانية" أو "غباء سياسي"، لا تعوّضه السنوات والعقود. الأطراف الثلاثة ما هم إلا ضحايا قلة إدراك مواقعهم وإلمام بالحكمة السياسية. حبذا لو يخرج الجيش ويؤكد على أنه حامي الثورة ويطلب من المعتصمين مساعدته ضد "مندسين" قد يستغلون الشارع المنفلت لأجندات خارجية أو داخلية، يدفع المواطن السوداني ثمنها أولا وأخيرا. حبذا لو تعاونت القوى والتغيير مع المجلس العسكري حاليا لتمرير هذه المحنة. فمن أسقط البشير يُسقط أي نظام إن لم يكن على قدر تطلعاته. حبذا لو عاد المعتصمون إلى منازلهم وركّزوا في دورهم اليومي لإخراج السودان من الركود الحالي وفي ضوء مرحلة ما بعد البشير باحثين عما فقدوه خلال عقود من الحكم الإلغائي والفساد. حبذا لو أحبط كلٌ من هؤلاء الثلاثة مؤامرة اليوم، وتفاصيل السياسة تُبحث في حينها وهذا ليس حينها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.