.
.
.
.

ممر «كرتابور».. رسالة سلام

ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

ربما تكون العلاقات بين الهند وباكستان في أدنى مستوياتها مع عدم وجود بادرة تذكر على استئناف عملية الحوار أو أي روابط أخرى. لكنّ الدولتين عندما ترغبان في إنجاح ذلك يمكنهما تحقيقه كما كان واضحاً من التقدم الذي أحرزه الجانبان لضمان إنشاء ممر بين البلدين لتسهيل زيارة أتباع الديانة السيخية لضريحهم المقدس الموجود في مدينة «كرتابور» في باكستان التي تبعد ثلاثة كيلومترات فقط عن مدينة «جورداسبور» الهندية على الحدود بين البلدين.
يذكر أن ديانة «السيخ» قد تأسست على يد قديس هو «جورو ناناك» قبل حوالي خمسمائة عام. وقد كان ينتمي إلى مقاطعة البنجاب الشمالية الهندية. ويعد الضريح الموجود في «كرتابور» والذي يقع على ضفاف نهر «راوي»، هو مكان استراحته ويحظى باحترام السيخ. وأثناء تقسيم الهند إلى دولتين في عام 1947 لإنشاء باكستان، تم تقسيم مقاطعة البنجاب، أيضاً. وذهبت «كرتابور»، حيث دُفن «جورو ناناك» إلى باكستان في خطة التقسيم، بينما آثر غالبية أتباعه البقاء على الجانب الهندي من المقاطعة. ومنذ ذلك الحين، يقوم «السيخ» بأعداد كبيرة بزيارة هذا الضريح كحجاج في يوم ميلاد مؤسس ديانتهم بعد الحصول على تأشيرات من باكستان، بيد أن العلاقات الضعيفة بين الدولتين المتجاورتين تسبب صعوبات وعقبات في حركة الحج السلسة للسيخ إلى مكانهم المقدس.
وكان رئيس وزراء باكستان «عمران خان» قد أعلن بعد وقت قصير من توليه السلطة في العام الماضي عزمه إنشاء ممر لا يحتاج المرور عبره إلى تأشيرة لضمان تسهيل الحج لمجتمع «السيخ» كبادرة على حسن النية لتحسين العلاقات مع الهند. وقد رحبت نيودلهي بالمبادرة وبدأ العمل على بناء الطرق والجسور على الجانبين لضمان جاهزية الممر بحلول شهر نوفمبر 2019 الذي يوافق الاحتفالات بالذكرى الـ 550 لميلاد مؤسس ديانة «السيخ».
وفي نهاية هذا الأسبوع، التقى كبار المسؤولين من الدولتين عند الحدود الهندية –الباكستانية لوضع الشروط التي توافق بها الدولتان على السماح بدخول 5000 حاج على الأقل من دون تأشيرة كل يوم، طوال الأسبوع. وسيكون هذا المرفق مفتوحاً أيضاً للحجاج «السيخ» من أصل هندي والذين هم مواطنون من بلدان أخرى. وهذا يعني أنه ابتداء من نوفمبر فصاعداً، سيتم السماح لخمسة آلاف حاج، سواء في مجموعات أو أفراد، بالسفر من الهند إلى باكستان والعودة سيراً على الأقدام أو نقلهم في حافلات من الفجر إلى الغسق.
وليس ثمة شك في أن كلا البلدين يريدان تشغيل هذا الممر اعتباراً من نوفمبر، لكنهما يتحركان بحذر شديد بسبب عدم الثقة بينهما. وكانت العلاقات قد توترت بينهما لسنوات بسبب قضية كشمير والإرهاب. فمن جانبها، ترى باكستان القضية الجوهرية باعتبارها مشكلة كشمير التي يزعم كل من البلدين أنها تنتمي لها. أما الهند التي عانت من هجمات إرهابية متعددة نشأت من باكستان، فتطالب حكومة باكستان التي هي بالفعل تحت ضغط من «مجموعة العمل المالي»، بأن تتخذ إجراءات ضد الجماعات الإرهابية والإرهابيين الذين يعملون خارج باكستان.
وللتغلب على المخاوف الأمنية، قامت الهند بتسليم ملف عن الأفراد والمنظمات المتمركزة في باكستان، والتي ربما تحاول تعطيل الحج وإساءة استخدام الفرصة للتلاعب بمشاعر الحجاج «السيخ» الذين يزورون ضريح مؤسس ديانتهم، وبحسب ما ورد من تقارير، فقد أكد الجانب الباكستاني للوفد الهندي أنه لن يُسمح بأي نشاط ضد الهند من جانبهم.
مما لا شك فيه أن المشروع فريد من نوعه لأسباب عدة. ففي حين أنه من الطبيعي إنشاء هذه الممرات لحالات الطوارئ مثل أزمات اللاجئين أو الكوارث الإنسانية، فإن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إنشاء ممر لتسهيل ممارسة الشعائر الدينية لمجتمع ديني في الوقت الذي توجد فيه أساليب قليلة لتحسين العلاقات بين المتنافستين المتجاورتين. في السنوات القليلة الماضية، لم يتوقف فقط كل الحوار الرسمي ولكن حتى التبادلات الثقافية مثل زيارات الفنانين والمؤلفين والأكاديميين والإعلاميين والموسيقيين توقفت بين الجانبين. ومن المأمول أن يبرز هذا الممر الذي يطلق عليه الجانبان «ممر السلام» نظراً لقدرته على تعزيز مبادرات أخرى من هذا القبيل لتعزيز الحوار بين الجارتين.
وبينما قالت الهند إن محادثات ممر كرتابور تتعلق بمشاعر مجتمع السيخ في الهند واستبعدت أن يكون سبباً لاستئناف الحوار الثنائي، إلا أن هذا الممر يعد مثالاً على تمكن الدولتين من تنحية خلافاتهما جانباً من أجل مصلحة الناس. وفي حين أن البلدين لا يزالان بعيدين عن استئناف أي نوع من الحوار، إلا أنهما تتركان الباب مفتوحاً أمام نوع من الجهد الدبلوماسي بين البلدين. وفي مرحلة ما، سيتعين على زعيمي البلدين الجلوس لمعرفة ما إذا كان بإمكانهما استئناف نوع من الحوار إنْ لم يكن استئناف محادثات منتظمة.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.