ألمانيا "تبقّ البحصة"
تتأرجح إيران اليوم على حافة هاوية. تستغلّ التناقضات والتباينات. تمارس السيكولوجيا المضادة على اللاعبين الدوليين وتلعب على الاختلافات.. لا بل على الخلافات أحياناً!
القادة في طهران يعرفون تمام المعرفة أنّهم يقفون عند هذه الحافة، ويتصرفون على هذا الأساس. فاختطافهم لناقلة النفط البريطانية لم يكن قراراً استراتيجيا ولا "استكبارا" كما يروّجون له، لكنّه قشّة تمسكوا بها قبل السقوط. حوّلت الأنظار لحين عن الاتفاق النووي وعن العقوبات وعن دعمهم للإرهاب وزعزعة استقرار دول الجوار، وغيّرت بوصلة الأحداث باتجاه أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز. وفي هذا المضيق تحاول إيران القول: "أنا حارسته"، وأمن الملاحة الدولية فيه "في يدي".
هو تصعيدٌ من نوع آخر. وما هذا التصعيد إلا ليسرّع من سلسلة أحداث غالباً ما تخلط الأوراق لحين فقط، قبل تموضع الأفرقاء مجددا. إيران كسبت بعض الوقت لكنها لا تزال تتأرجح عند الهاوية نفسها. ومن تلك الهاوية لا خلاص، إلا برفع العقوبات الأميركية عنها والتي تمرّ باتفاق نووي جديد، وبضمانات من طهران بعدم خرق "روحيّة الاتفاق".
ورقة إيران في مضيق هرمز وضعت المجتمع الدولي في أهبة الاستعداد لتأمين الملاحة الدولية مع اختلافات على التفاصيل. الرئيس الأميركي دونالد ترمب براغماتي يفهم لعبة الإيرانيين تماماً، لا يقلل من خطورة أحداث المضيق لكنه في الوقت نفسه لم يتخلَّ عن هدفه الأوّل بالحشد دولياً لتطويق إيران. في المقابل، دول القارة العجوز تفتقد للبراغماتية نفسها وهو غالباً ما يُفسّر تربّع الولايات المتحدة على عرش العالم، وتخبّط الدول الأوروبية في مشاكلها التي لا تنتهي ولم تنتهِ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقد خرجت منها أوروبا مجروحة في كبريائها وجسمها. يلتهي الأوروبيون اليوم بتأمين مضيق هرمز، لكنهم يرفضون قيادة الأميركيين لتحرّكهم. أمّا الأميركيون فعينٌ على المضيق وعينٌ على طهران وقبضة حول عنق قادتها تعصرهم بالعقوبات.
هذا الاختلاف بين القارة الجديدة والقارة العجوز واضح لدى إيران. تسعى الأخيرة للّعب على هذا التباين واستغلال كلاسيكية الأوروبيين بإبعادهم عن واشنطن.
تصريحان أوروبيان لافتان. ومما لا شكّ فيه أنّ المرشد الإيراني ابتسم حين وصلا إلى مسامعه. أولهما تصريح الرئيس الفرنسي الشاب الذي تكبره الأحداث الدولية سنّا وخبرةً، فيما هو مع مشكلةٍ كـ"السترات الصفر" لم يتعايش بل عاشت العاصمة الفرنسية خرابا لم تخربه الحروب يوماً. فيقول ماكرون أثناء استقباله نائب وزير الخارجية الإيراني إنه لا يوافق السياسة الأميركية "بأقصى الضغوط على إيران" ولا يزال يعتقد بالحلول الدبلوماسية معها. وتلا موقف ماكرون موقف لوزير الخارجية الألماني هايكو ماس يقول فيه إنهم لا يمانعون تحالفاً أوروبياً في هرمز، لكن يعارضون تحالفاً تقوده الولايات المتحدة.
فرنسا تحاول انتزاع موقع دولي "متقدّم" بالاسم لا بالفعل من خلال مغازلة مبطّنة لإيران، وألمانيا لم تتخطَّ سقوط موقعها القيادي الذي فقدته في منتصف القرن العشرين. إيران تلعب ورقة "السيكولوجيا السياسية المضادة" من على حافة الهاوية إزاء الدول الأوروبية، ورقة غير صلبة لإنقاذها من السقوط لكنّها قد تتيح لها بعض الوقت للصمود.
التباين الأميركي ـ الأوروبي واضح في مسامع خامنئي، يلعب عليه لكنّه يعلم تماماً أنّ أوراق الضغط الأوروبية على الأميركيين فارغة المضمون، لا بل تحتاج أوروبا للسوق الأميركي ولن تستبدله بالإيراني إذا ما اضطرت للاختيار. كما يعلم تماما بأنّ رفع العقوبات الأميركية وحده ينقذ طهران والطابة في ملعب البيت الأبيض لا في بروكسل أو برلين أو باريس ولا حتى في حتى موسكو.