.
.
.
.

أردوغان وقبلة الحياة للدواعش

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

لا يكف الآغا العثمانلي المنحول عن التسبب في المشاكل واختراع الأعداء الوهميين من حوله، والجميع يدري أنه يهرب من الداخل وإخفاقاته إلى المحيط الخارجي علّ شعبه ينسى أو يتناسى الحالة التي وصلت لها البلاد، ومآلات العباد في ظل أزمة خانقة تضرب الاقتصاد التركي وتؤثر على حياة الأتراك من جهة، فيما العلاقات الخارجية لتركيا مع دول العالم تشهد ترديا غير مسبوق أوربيا وأميركيا بنوع خاص.

آخر جولات أردوغان الدونكشوتية الوهمية ما يخطط له بشأن شمال شرق سوريا، والهجوم الذي اعتبره فرضا لمواجهة الأكراد في الحال، محاولا مشاغبة مواطنيه بالقول إن الانتظار للغد أو ما بعده سوف يكلف تركيا ثمنا باهظا.

هل أزمة أردوغان مع الأكراد بالفعل أم أن السلطان الحائر يعزف عزفا نشازا على أوتار متناقضة ،عسى أن يجد له مخرجا أو في أحسن الأحوال، يحسن من ميزان توازناته الخارجية المختل؟

صراع أردوغان الحقيقي مع العم سام، مع الولايات المتحدة الأميركية وإدارة الرئيس ترامب، الرجل الذي دق عنق التركي المتغطرس من قبل في أكثر من مرة، حين هدده بتحطيم اقتصاد بلاده.

وعلى الجانب الآخر من البوسفور تبدو أوروبا برمتها اليوم رافضة للعربدة الأرودوغانية في مياه البحر الأبيض المتوسط، وما يقوم به من محاولات استفزازية تجاه اليونان وقبرص ومصر، عبر محاولة التنقيب عن الغاز في خارج مياه تركيا الإقليمية، وفي مناطق موصولة بدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وكأني به يضرب عرض الحائط بكافة المواثيق الدولية، وقوانين تنظيم البحار والمحيطات واستغلالها، وما اتفق عليه في ترسيم الحدود البحرية من قبل عقود طويلة.

الذهن الأردوغاني الذي لا يتفتق إلا عن الأفكار الشريرة، يبدو أنه يسعى لإعادة الكرة مرة أخرى عبر إرهاب الأمريكيين والأوربيين دفعة واحدة، من خلال التلويح بورقة الإرهاب، وتسهيل مهمة الإرهابيين.

ليس سرا يخفى، إنما هو أمر مذاع على الملأ بشواهد وأدلة وبراهين، بالصوت والصورة، ذلك أمر علاقة أردوغان واستخباراته بتنظيم الخلافة المغشوشة، أولئك الذين كانوا يخرجون ويدخلون تركيا متى ما أرادوا، وكأن المشهد معد له من قبل.

أردوغان الذي يأوي جماعات الإسلام السياسي الأصولي من مصريين وعرب وأجانب، أولئك الذين يعتبرون أصحاب التأصيل الفكري للإرهاب المعاصر، كان ولا يزال أحد الأبواب الدوارة للإرهاب الداعشي في المنطقة، وهو أمر تدركه أجهزة الأمن والاستخبارات الإقليمية والعالمية.

لماذا يريد أردوغان القيام بعملية عسكرية كبيرة في مناطق قوات سوريا الديمقراطية؟

المقصود في واقع الأمر أبعد من مجرد ملاحقة القوات الكردية المعروفة باسم قوات حماية الشعب الكردية، الفصيل الذي يرى أردوغان أنه عدو تاريخي، والذي ازداد العداء له من قبل أنقرة في الأعوام القليلة الماضية، لا سيما بعد الدور الكبير والناجح الذي لعبه رجالات ونساء الأكراد في مقاومة ودحر الإرهابيين الدواعش في شمال شرق سوريا.

العثماني الموتور يكاد يفقد توازنه من جراء امتلاك الأكراد اليوم في تلك المنطقة لأسلحة أمريكية متقدمة، زودتهم بها واشنطن، وبات من الصعب استرجاعها من بين أياديهم مرة ثانية، وربما يكون الأمر بالتوافق مع واشنطن عينها التي تدرك أهمية بقائهم في مواقعهم ومواضعهم كحاجز بشري ولوجيستي في مواجهة أعداء الإنسانية من الوحوش الداعشية، وعدم السماح بتكرار مجازرهم التي رآها العالم في الأعوام الماضية.

هل سعي أردوغان لمثل تلك العملية أمر يمكن إرهابيي داعش من العودة مرة جديدة، وبداية فصل آخر من فصول الدماء والرعب في المنطقة، الأمر الذي يفيد آخرين غير تركيا لا سيما إيران، بمعنى أن نشوء وارتقاء هؤلاء القتلة من جديد سوف يشغل واشنطن عن معركتها الرئيسية مع الملالي.

الأمريكيون يدركون تمام الإدراك أن الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية تحتجز أعدادا هائلة من أنصار أبوبكر البغدادي في معسكرات داخل مناطقهم، وحال الانشغال في قتال أردوغان، وتعرضهم لهجمات مكثفة من قبل الأتراك، فإن فرص فرار وإفلات هؤلاء سوف تتزايد بشكل مخيف، يجعل المشهد الداعشي المرعب قابلا لأن يخيم على سماوات المنطقة مرة جديدة.

حين يتحدث وزير الدفاع الأمريكي الجديد "مارك اسبن" بأن واشنطن سوف تمنع أي توغل أحادي الجانب في سوريا"، فإن على أردوغان أن يفهم التهديد الاستراتيجي الذي يتعرض له من قبل واشنطن، وبخاصة في ضوء البيانات الجديدة التي أعلنها البنتاغون في الأيام الأخيرة بخصوص معاودة ظهور داعش في سوريا وتعزيز قدراته بالعراق.

تقول الأمم المتحدة إن هناك خلف الباب نحو ثلاثمائة مليون دولار أمريكي لا تزال داعش تحتفظ بها، وهي أموال طائلة يمكنها أن تتنقل حول العالم بطريق أو بآخر، ما يهدد أمن وسلام العالم بداية والمنطقة الشرق أوسطية بنوع خاص.

أما المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، ففي تقرير له نهار الثلاثاء السادس من أغسطس/آب الجاري، أشار إلى أنه رغم خسارة داعش الأخيرة، فإن التنظيم استطاع "توحيد ودعم عملياته"، في كلا البلدين، والسبب في ذلك يرجع بشكل جزئي إلى كون القوات المحلية "غير قادرة على مواصلة عمليات طويلة الأجل، أو شن عمليات في وقت واحد، أو الحفاظ على الأراضي التي استعادتها".

حين رأت قوات سوريا الديمقراطية والكثير من الأصوات العربية والأجنبية في فكرة الانسحاب الكلي للقوات الأمريكية من شمال سوريا خطأ استراتيجيا فقد كانت على حق، والآن ثبت للجميع أن مجرد الانسحاب الجزئي الذي سارع إليه الرئيس ترامب ، وقد خالفه الكثيرون في الداخل الأمريكي من السياسيين والعسكريين، كان كارثيا ويمكن أن يقود إلى هزائم سياسية لواشنطن في المنطقة كمثل التي يسعى أردوغان لإلحاقها بواشنطن.

هل يغزل أردوغان غزلا سيئا على تلك المعادلة؟

حكما أن مجرد وصول وفد من وزارة الدفاع الأمريكية إلى أنقره والدخول في نقاشات لإقناع الحاكم التركي الأتوقراطي بإلغاء العملية التي يجهز لها بعرض 30 كيلومترا مربعا يعني أن المشهد لن يخلو من مقايضات.

يتلاعب أردوغان بواشنطن، عبر التهديد بتعميق تحالفاته مع موسكو، تلك التي لن تألو جهدا في إشعال النار بينه وبين سيد البيت الأبيض، إذ إن كل مربع نفوذ وقوة يخسره ترامب، سوف يملاه الثعلب بوتين بامتياز.

لن تتخلى واشنطن أبدا عن قوات سوريا الديمقراطية، ولا العنصر الكردي فيها بالمرة، وهذا ما يدركه أردوغان بامتياز، فيما اهتمامه الحقيقي هو تحسين وضعه التفاوضي مع الأمريكيين، حتى لو أدى ذلك إلى إرسال قبلة الحياة لداعش مرة جديدة في الداخل السوري.

يحذر الخليفة المزعوم الأمريكيين بأن الروس يتفهمون أغراضه من العملية المتوقعة، ويفوته أن تنسيق الكبار يتجاوزه، وأن السيوف الخشبية لا تحسم معركة، ومن يسعى لإعادة الإرهاب للعالم من الباب الدوار حكما سيلقى حتفه على عتباته، وعلى الباغي تدور الدوائر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.