جمال الذي عرفته

فيصل عباس
فيصل عباس -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يدعي الكثير من الناس اليوم أنه كان صديقاً للراحل جمال خاشقجي. طبعا، ليس المقصود من نبرتي الساخرة التشكيك بأي شكل من الأشكال بشعبية أبي صلاح (كما كان يناديه أصدقاؤه)، فالله شاهد كم كان هذا الرجل نبيلا وكريما وعادلا.

لكن تستهدف نبرة السخرية عشرات الانتهازيين الذين ظهروا فجأة – مرتزقة، يهدفون إلى استغلال الجريمة البشعة التي وقعت في القنصلية السعودية في إسطنبول في مثل هذا اليوم من العام الماضي.

لم يعد بإمكاني أن أحصي عدد الناس الذين زعموا تناول العشاء مع جمال، أو الذين ادعوا أنهم تحادثوا معه في الليلة التي سبقت وفاته. فجأة بدأ عدد كبير من الناس بالادعاء بأنهم مناضلو حرية. ومن بين هؤلاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – رئيس البلد المدان من قبل جمعيات حقوق الإنسان لسجنه أكثر من 50،000 شخص منذ العام 2016، بمن فيهم 250 صحافيا على الأقل تم سجنهم خلال العام الفائت وحده لمجرد قيامهم بعملهم.

لقد تم أيضا تسييس قضية جمال من قبل قطر، وهي خصم إقليمي آخر للمملكة العربية السعودية. بالطبع، فإنه من واجب الصحافيين تغطية الفظائع التي ترتكب، خصوصاً إذا كانت بحق واحد منهم؛ إلا أنه يجب مشاهدة تغطية قناة مثل الجزيرة الناطقة بالعربية مع القليل من الملح. فلقد كرست القناة التي تتخذ من الدوحة مقرا لها أياما ونشرات إخبارية بأسرها لهذه الجريمة، في الوقت الذي تبقى فيه صامتة عن جرائم النظام الذي يمتلكها، مثل المعاقبة والطرد والنفي المتواصل لقبيلة الغفران بأكملها.

الكثير من الكلمات، والقليل من القيم – فيما تبقى الأصوات الوحيدة ذات الأهمية، والتي تملك الكثير لتقوله، صامتة؛ فلقد اختارت عائلة خاشقجي، ولعام كامل، أن تعاني بصمت وأن تحزن بكرامة. وأخيرا، وعشية ذكرى وفاة والده، اختار صلاح خاشقجي كسر حاجز الصمت. وعندما قام بذلك، فإنه ظهر بنفس النبل الذي كان يميز والده. فعبر وضع تعليق قصير لكن ذي مغزى على مواقع التواصل الاجتماعي، أدان صلاح خاشقجي أولئك الذين حاولوا استغلال جريمة قتل جمال للتقليل من شأن المملكة وقيادتها وشعبها.

لقد قال صلاح: "عام مضى على رحيل والدي الغالي سعى خلاله خصوم الوطن وأعداؤه في الشرق والغرب، لاستغلال قضيته يرحمه الله للنيل من وطني وقيادتي"، مضيفا "لم يقبل والدي في حياته أي إساءة أو محاولة للنيل منهما، ولن أقبل أن تستغل ذكراه وقضيته لتحقيق ذلك بعد رحيله".

أما أنا، فلقد كنت في الواقع صديقا حقيقيا لجمال، خلافا لعشرات المنافقين الذين ظهروا عقب مقتله. لقد عرفته جيدا على الصعيدين المهني والشخصي. لقد دخنا السيجار سوية في جدة والمنامة ولندن، ولقد قابلت زوجته السابقة كما أنني صديق لابنه عبد الله، وهو زميل سابق لي.

لقد كنت أنا وجمال نلتقي كما هو حال الصحافيين لمناقشة الأوضاع السياسية والتندر على زملائنا ومناقشة أوضاع المنطقة بشكل عام. ولقد كان جمال نائبا سابقا لرئيس التحرير في "العرب نيوز"، وهي الصحيفة التي أتولى حالياً رئاسة تحريرها والتي تضم في صفوفها العديد من زملائه السابقين الذين لا يزالون يتذكرونه باسم "جيمي ك"، وهو اللقب الذي أطلقوه عليه خلال عمله معهم.

صحيح أنني وخلافا للبعض، لا أدعي بأنني تناولت العشاء مع جمال خلال الليلة التي سبقت وفاته – لكنني أعتقد بأنني مؤهل أكثر منهم بكثير للتحدث عنه. وأنا أعرف بأنه كان سيذرف الدمع (والله يعلم بأنني ذرفت الدمع) لو أنه قدر له قراءة تغريدة ابنه؛ في الواقع فإن جمال الذي أعرفه سيكون يبتسم من السماء لابنه صلاح قائلا: "أنا فخور بك يا ابني الحبيب".

لن يقبل جمال الذي أعرفه التشويه الممنهج لصورة بلاده وشعبها. ولكان جمال الذي أعرفه ليتوجه إلى بوسطن ليتضامن مع الطلبة السعوديين الذين أبلغوا "العرب نيوز" مؤخرا عن التحرش والتمييز الذي يعانون منه؛ منذ مقتل جمال، يتم استهداف شبان لامعين، لا لشيء سوى لأنهم سعوديون أو حاصلون على منح من الحكومة السعودية.

لم يكن جمال الذي أعرفه كامل الأوصاف؛ ومن منا كذلك؟ نعم، ربما كان له آراء مثيرة للجدل، وعلاقات سياسية غير حكيمة. نعم، لم يكن موافقا على العديد من التحولات في المملكة – لكن لم يكن جمال الذي أعرفه عدوا للدولة بأي شكل من الأشكال. في هذا الإطار فإنه من الجدير ذكر ما قاله صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، خلال مقابلة معه هذا الأسبوع ضمن برنامج "ستون دقيقة." فلقد قال سمو ولي العهد إنه ليس هناك أي تهديد من أي صحافي للمملكة العربية السعودية، فالتهديد للمملكة ينتج عن مثل هذه الأعمال ضد الصحافيين السعوديين.

لا تزال أسئلة كثيرة تطرح حول الأحداث البربرية التي وقعت في القنصلية السعودية في إسطنبول. ويقع عاتق إيجاد الإجابات الشافية – وإقفال هذا الملف - على معالي المدعي العام السعودي الشيخ سعود المعجب وفريقه.

ونبقى جميعا، كما صلاح خاشقجي، ملء الثقة بنظامنا القضائي. فلقد بدأت في يناير الماضي محاكمة الأشخاص الأحد عشر المتهمين بالعلاقة بمقتل جمال. وكما هو معلوم فإن الاستعجال غير المبرر هو عدو للعدالة، وسيقوم القاضي بإعطاء الأولوية للعدالة على حساب السرعة، إلا أن مصادر مطلعة قالت "لعرب نيوز" بأن المسألة الآن "هي مجرد عدد من جلسات الاستماع الإضافية قبل إصدار الحكم".

أما فيما يخص جمال الذي عرفته، فإنني أتمنى على الذين يستغلون موته... أن يدعوه يرقد بسلام.

رحمة الله عليك، صديقي أبو صلاح!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط