.
.
.
.

واشنطن – الدوحة.. تكتيك لحرب طهران

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

تدرك إدارة الرئيس دونالد ترامب تمام الإدراك أن إيران لا دالة لها على السلم، ولا تعرف للسلام طريقا، ويوقن رجالات أبحاثها ومراكزها الفكرية أن الإيرانيين الذين يتقنون فن التقية، لن ينفكوا ماضين في برامجهم النووية والصاروخية، عطفا على منظورهم الفوقي العنصري لبقية دول المنطقة، ما يعني أن المواجهة لابد لها وأن تجيء مهما حاول البعض في واشنطن منع الحرب التي لا مفر منها.

مثير أمر ما يجري في واشنطن، فقد يظن الملالي أن الأمريكيين مشغولين بإشكالية ما بات يعرف ب " أوكرانيا – غيت "، ويخيل إليهم أن واشنطن لن تجد متسعا من الوقت لتدبر أمورها مع "التهور الاستراتيجي الإيراني"، غير أنه يفوتهم أن أميركا لا تزال عاصمة الدولة الأقوى والأكبر في العالم، وليست جمهورية موز تهتز مقدراتها حال غياب وتواري رئيسها أو انشغاله، إنها دولة مؤسسات فاعلة تراتبية، تعمل في كل الأوقات تحت رقابة شعبية ممثلة في كونغرس وقضاء وإعلام وعجلة حياة مستمرة ومستقرة.

هل هناك من لا يزال يضع خيارات المواجهة العسكرية مع إيران على طاولة النقاش؟

أغلب الظن أن ذلك كذلك فعلا وقولا، فالجنرالات لا يثقون في إيران، ويعلمون علم اليقين أن الحل الوحيد والأخير لمعالجة غرور ايران الامبراطوري هو الالة العسكرية، سواء كانت حرب شاملة أو عمليات جراحية سريعة تلفت انتباه الايرانيين الى ميزان الانتباه العسكري، أي يجعل قادتها مجبرين على إعادة تقويم سلوكها، بالضبط كما حدث معها في ابريل من عام 1988 خلال عملية "براينغ مانتيس"، أو فرس النبي التي خسر فيها الإيرانيون نصف أسطولهم ناهيك عن الخسائر البشرية التي حاقت بهم .

هل سيكرر التاريخ نفسه مرة جديدة مع إيران عما قريب؟

تبدو كافة السيناريوهات مفتوحة، وبخاصة إذا ارتكبت إيران المزيد مما أسماه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان "حماقات"، كما جرى مع معامل أرامكو في البقيق وخريص، وساعتها سيكون ترامب وإدارته مجبرين على الرد بالمثل وفي اتجاه مضاد.

ولعل المتابع لمراكز الأبحاث والأفكار الأميركية في الفترة الأخيرة، يكاد يصل الى قناعة مؤداها ان الصمت تجاه طهران يجعل كل شيء مباحا ومتاحا أمامها، وهذا ما اشار اليه "دينيس روس"مستشار اوباما للشرق الأوسط، والدبلوماسي الأمريكي الشهير .

يذهب روس الى ان الايرانيين لديهم ما يدفعهم للتصرف خارج المعتاد، فهم يظنون انهم يستطيعون الإفلات من العقاب، لانهم ما عادوا يخافون من الولايات المتحدة، ويعتقدون أنها لن ترد، ويضاف إليه حقيقة أنهم مضغوطون بشدة جراء سياسة "الضغط الأقصى"، الاقتصادية التي تفرضها إدارة ترامب.

ما العمل تجاه هذا الغي الإيراني السادر؟

ما من بد أمام الرئيس ترامب إن أراد أن يغير النظام الإيراني من سلوكه سوى استخدام كافة الادوات المتاحة لديه وتفعيل كل اوراق فن الحكم، دبلوماسية كانت أو سياسية، اقتصادية أو اجتماعية، سيبرانية أو عسكرية، عطفا على توجيه رسائل حازمة وحاسمة تشي بما تنويه واشنطن تجاه طهران.

يكاد المراقب لأجواء المنطقة المتوترة ان يجزم بأن بعضا من تلك الاشارات التي نشير اليها قد وصلت طهران الايام الماضية عبر قطر الدولة الحليفة لإيران، والتي لا تملك من قرارها السيادي شيئا، بل اسلمت كل ما لديها للفعلة الحقيقيين في كرمها الصغير، والذي أضحى يقطر سما يملأ أرجاء المنطقة.

قبل بضعة أيام كانت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية الشهيرة تكشف عن قيام الولايات المتحدة بنقل مركز قيادة سلاح الجو الامريكي في الشرق الاوسط من قاعدة العديد الجوية في قطر، الى ولاية ساوث كارولينا الامريكية، بعد التوتر مع إيران، والذي يهدد بإشعال حرب ضدها في المنطقة.

هل يفهم من هذا أن أمريكا قد قررت الرحيل من قاعدة العديد القطرية مرة وإلى الأبد؟

المؤكد أنه وعلى الرغم من إعلان وزارة الدفاع الامريكية "البنتاجون" ان القوات الامريكية ليست لديها أي خطة لمغادرة قاعدة "العديد" الجوية في قطر، الا ان المتابع المحقق والمدقق للشأن القطري في الداخل الامريكي يدرك ان اسهم تلك الدولة في بورصة الاخلاق السياسية والاعلامية والمجتمعية الامريكية تتهاوى يوما تلو الآخر، وهناك حالة رفض غير مسبوقة لأدوار قطر المسمومة في الداخل الأمريكي، ويوما تلو الآخر ترتفع الأصوات المنادية بوضع حد للاختراق القطري عبر الأموال الساخنة للمؤسسات الأمريكية .

يدرك الجميع في واشنطن لا سيما جماعة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، أن قطر شريك مزعج، وان هناك الكثير من البدائل الجيدة التي تغني عنها في المنطقة، ولهذا ليس سرا القول إن هناك خططا مختلفة لتحريك قواعدها من العديد والسيلية الى مناطق مجاورة، الأمر الذي ألمح إليه الرئيس ترامب أكثر من مرة .

السؤال الجوهري: "هل كان نقل القيادة الجوية الأمريكية من المنطقة الى الداخل الأمريكي تجربة تكتيكية أمريكية تخص السياسات الدفاعية، وإذا كان ذلك كذلك فما الذي تؤشر اليه هذه الخطوة؟

باختصار غير مخل يبدو ان واشنطن لديها خطة حرب مع إيران، أطلق عليها "مسرح إيران القريب"، ووفقا للخطة فإن واشنطن مستعدة لتدمير أسلحة الدمار الشامل الإيرانية، ومنشآت الطاقة النووية، ومقرات التحكم والسيطرة للقوات المسلحة الإيرانية، والكثير من البنى التحتية الايرانية في غضون ايام ان لم يكن ساعات، ما يعني ان الأوركسترا العسكرية الامريكية سوف تعزف واحدة من أكبر وأخطر معزوفاتها العسكرية منذ حرب فيتنام وربما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في هذا السياق يمكن للمراقب العادي وليس الخبير الاستراتيجي العسكري أن يدرك أن مسألة نقل القيادة من العديد إلى ساوث كارولينا هي خطوة استباقية واستشرافية من القيادة الأمريكية تسعى لأمرين معا:

أولا: التدريب على سيناريو إخلاء القاعدة في وقت قصير حال اتخاذ قرار بعملية عسكرية ضد إيران، وذلك من أجل تجنب أي ردات فعل إيرانية حمقاء، يمكنها أن تلحق الأذى بالجنود أو الطائرات الأمريكية، أي تقليل خسائر المواجهة إلى أن تصل الى الصفر، ما يعني استراتيجيا أن العديد فقدت ولو آنيا أهميتها في المنقطة.

ثانيا: عدم الاعتماد على قاعدة واحدة، والتفكير في إيجاد بدائل ولو في المستقبل المتوسط، ما يجعل قطر خاضعة خانعة للتأديب والتهذيب الأمريكي والدولي ولقطع حبال علاقاتها بالمنظمات الإرهابية الدولية، الأمر الذي بات معروفا للقاصي والداني.

هل يجب على طهران أن تقلق؟ ليس طهران فحسب بل الدوحة كذلك التي أنفقت عدة مليارات على تطوير وتجديد القواعد الأمريكية فيها من مالها الخاص، لا سيما إن فقدت الغطاء المتمثل في أكثر من ثلاثمائة طائرة أمريكية من أحدث الأنواع، وقرابة عشرة آلاف جندي أمريكي باشروا دور الحماية طوال سنوات خلت.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.