.
.
.
.

الإخوان المسلمون والنقد الذاتي

ناصر الحزيمي

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1928، تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية على يد مدرس قد تخرج حديثا من أحد المعاهد الأولية التابعة لدار العلوم، لذلك حصل حسن البنا على وضيفة مدرس للخط العربي في الصفوف الابتدائية الدنيا. وقدمت المجموعة التي مثلت النواة للجماعة البيعة على السمع والطاعة في المنشط والمكره لحسن البنا، وكان وقتها يبلغ من العمر 22 عاما تقريبا. وبعد فترة وجيزة انتقل البنا إلى القاهرة وعمل على تأسيس مجموعة جديدة إلا أنه كان بحاجة إلى من يسانده ماديا ومعنويا، فاستعان بأحد وجهاء المحمودية والذي كان له سابق معرفة بحسن البنا، وكان له مجموعة في المحمودية تمارس الدعوة والتوجيه الديني، وأعني هنا أحمد السكري الذي صحب البنا منذ المراحل المبكرة في تأسيس الجماعة بل يقال إن هذا الرجل هو المؤسس الحقيقي والشرعي لجماعة الإخوان المسلمين.

وسارت الجماعة على هذا النمط في الدعوة والإرشاد في القاهرة و الأقاليم، وكان البنا يشاهد ما كان مؤثرا في نفوس الشباب من ميليشيات حزب الوفد وجماعة مصر الفتاة، وكانوا يطلقون عليها ذوي القمصان الخضراء، وذوي القمصان السوداء فقرر أن يكون له مجموعة تساهم في الظاهر في حفظ النظام أثناء تجمعات الإخوان، فأنشأ مجموعات الكشافة -وقد سبق أن تناولنا نشأت هذه المجموعات -ولكن في عام 1937 تقريبا قرر حسن البنا أن ينشئ ما يسمى الجهاز الخاص أو الجهاز السري. وسلم قيادته لعبدالرحمن السندي، وكان الهدف الظاهر والمعلن من إنشاء هذا الجهاز هو إعداد المجاهدين للقتال في فلسطين. إلا أن هذا الجهاز قد تفلت من مقوده من بين يدي حسن البنا كما قيل، فنفد عمليات بالظن والتلميح كما حدث في واقعة قتل القاضي الخازندار وما تمخض عنها من مشادات كلامية بين البنا وعبدالرحمن السندي، وقبل ذلك حدثت واقعة هزت مصداقية حسن البنا عند كوادر الإخوان المسلمين وهي واقعة تحرش زوج أخت حسن البنا عبدالحكيم عابدين، وتم فعلا تشكيل لجنة للتحقيق في الشكاوى المقدمة ضد عابدين. وكان على رأس هذه اللجنة رفيق درب حسن البنا أحمد السكري، وخلصت هذه اللجنة إلى أن عبد الحكيم عابدين مدان فعلا فيما نسب إليه من تحرش بنساء أفراد الجماعة. وأوصت هذه اللجنة بفصل عبدالحكيم عابدين من الجماعة، وبما أن عبدالحكيم عابدين كان زوج أخت حسن البنا رفض البنا هذه النتيجة، وأعاد تشكيل لجنة تحقيق جديدة بعد أن فصل اللجنة الأولى من جماعة الإخوان المسلمين وهذا سبب فصل أحمد السكري.

ونعود إلى واقعة ممارسات الجهاز الخاص وقتلوا بعد ذلك النقراشي ثم بعدها بمدة قتل الجهاز الخاص المهندس سيد فايز وهو من جماعة الإخوان المسلمين ومن الجهاز الخاص، ثم أتى انقلاب الضباط الأحرار في عام 1952 وما كان للإخوان المسلمين فيه من أدوار. ثم أتت واقعة المنشية ومحاولتهم اغتيال جمال عبدالناصر ثم أتت واقعة التنظيم القطبي سنة 1965م. جميع هذه الوقائع التي مرت على جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها وحتى الستينات ثم تأسيسها للمرة الثانية على يد عمر التلمساني، وحقيقة أنا أعتبر عمر التلمساني هو المؤسس الثاني للإخوان المسلمين قبل أن يتوجه بها المرشد الخامس للإخوان المسلمين مصطفى مشهور نحو التطرف المطلق.

بالرغم من أحداث جسام قد مرت على هذه المجموعة لم تفكر ولو لمرة واحدة في مسألة النقد الذاتي وتعديل المسار والسبب في أنهم لم يمارسوا النقد الذاتي هو أنهم يراعون مصلحة الجماعة كجماعة أكثر من مراعاتهم لمصلحة الدعوة الإسلامية، بل إن الغالب على ذهنيتهم التفكير الغوغائي والسوقي في كثير من الأحيان.

فجماعة عمرها تسعون عاما تقريبا لا يوجد في أدبياتها ولا سلوكها ما يطلق عليه بالنقد الذاتي، بل يكاد أن يكون الهاجس المسيطر على تفكيرها سطوة المنافس وتغلبه، ففي فترة من الفترات في الأربعينات تقريبا صدر تعميم لأسر جماعة الإخوان المسلمين بعدم إطلاق اللحية إلا بإذن من القيادات العليا في الجماعة، والسبب أن اللحية في تلك الفترة كانت مستغربة ومستهجنة اجتماعيا. واستمر الحال على هذا المنوال إلى فترة أواخر السبعينات حيث صدر أمر للكوادر القيادية في الإخوان المسلمين بإطلاق لحية مهذبة والسبب في ذلك يعود إلأى ن المنافسة كانت على أشدها بين جماعة الإخوان المسلمين ومجموعة التيارات الدينية ذات الطابع السلفي الملتزم بالخط السني.

إن غياب النقد الذاتي الذي يؤسس لمستقبل أي مجموعة شاهد على مصداقيتها وكفيل بديمومتها وعبورها نحو التطور والتطوير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.