الفارق بين المصنف والسارق
هذا العنوان هو اسم لرسالة صغيرة جدا لجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) رد فيها على أحد معاصريه قد سرق من كتبه المؤلفة، فداء السرقة قديم جداً وقد ذكر ابن النديم صاحب الفهرست مجموعة من الكتب المؤلفة في السرقات الشعرية مثل: سرقة المعاني والأبيات والقصائد كاملة، واستمر الحال في السرقات حتى هذه الساعة، فبعضهم يسرق الأفكار من كل مكان، وبعضهم يسرق فصولا كاملة من كتب غالبا هو لم يطلع عليها أصلا! ولا يستثنى من حالة السرقات الأكاديميون أو غيرهم .فحالة السرقة هي داء مستشر بين مرتادي صناعة التأليف أو كتابة الشعر أو حتى كتابة الرواية والقصة القصيرة.
وأنا أعرف أحدهم ممن يمارس السرقة هذه الأيام من خلال أفكار الشبيبة المتابعة للنتاج الثقافي، وكان سابقا هذا الرجل يسرق من المقالات في الصحف، وأذكر أنه قد سعى بكل جهده وعلاقاته في إيقاف مشروع موسوعة السرقات العلمية، وذلك لورود اسمه في عدة مقالات تدينه بالسرقة في هذه الموسوعة، وقد نشط القائمون عليها في التحضير لنشرها من خلال مبالغ مدفوعة لمن يثبت السرقات العلمية، وكانت ستصدر هذه الموسوعة في سبعة مجلدات تقريبا لولا بعض من ورد اسمه كأبطال للسرقات فسعوا إلى إيقاف هذا المشروع للأسف.
وكان أن كتبت مقالة كشفت فيها سرقة أحدهم لأحد الكتب فأرسلتها لهم وأقرتها لجنة الإجازة عندهم، وهذا الشخص الذي كتبت عنه قد سمع بكتابتي هذه من أحد الأصدقاء فاتصل على المحرر الذي يجيز هذه المواد في الجريدة التي كنت أعمل فيها، وقال له بالحرف: كيف تتطاولون على كبار العلماء، فخدع من تلقى اتصاله فظن أنه من كبار العلماء، فسعى إلى عدم إجازة هذه المادة، ومن ثم أرسلتها إلى إدارة تحرير موسوعة السرقات العلمية والأدبية وأجيزت.
لذلك ومن خلال عملي في صفحات التراث وجدت أن هنالك فئة من طلاب العلم أو الثقافة يحاولون النشر بأي طريقة حتى من خلال سرقة جهود الآخرين. كما أن هنالك نوعا من اللصوص يسرقون الكتب لكي يختصروها لنشرها في المقالات، أي أنهم يحولون كتابا بما فيه من مرجعية وتتبع إلى مقالة تنشر في الصحف كما حدث مع كتاب حرق الكتب في التراث العربي، فقد ادعى كاتب المقالة في جريدة الحياة أنه قد رجع إلى نفس المراجع التي رجع إليها صاحب كتاب حرق الكتب في التراث العربي، وأنه من الطبيعي أن ترد نفس المعلومة، وقد قام وقتها الصديق رشيد الخيون بالرد عليه وفضحه، وهذا السارق قد نقل من كتاب حرق الكتب في التراث العربي في طبعته الأولى والتي صدرت عام 2003 وكانت مليئة بالأخطاء المطبعية، فكان السارق ينقل من الطبعة بأخطائها وكثيرا ما فضحت الأخطاء المطبعية سراق الكتب.
فقد نشر الدكتور محمود إسماعيل كتابا عن حقيقة إخوان الصفا وتجنى من غير تأمل أو تتبع على أبو حيان التوحيدي لأنه قال وكتبوا فيها أسماءهم أي رسائل إخوان الصفا، فشمر الدكتور محمود إسماعيل عن ساعديه وقال إن أبا حيان التوحيدي لم يطلع على رسائل إخوان الصفا لأنه قال وكتبوا فيها أسماءهم، والحقيقة أن محمود إسماعيل نفسه لم يطلع على كلام أبي حيان التوحيدي من خلال مصدر رئيس، وأعني هنا كتاب الإمتاع والمؤانسة الذي ورد فيه النص، وإنما اطلع على مرجع وسيط معاصر قد أغفل ذكره محمود إسماعيل متعمدا، ولكن ما فضح هذه السرقة هو الخطأ المطبعي الذي ورد في كتاب أحمد أمين ظهر الإسلام حينما تكلم عن رسائل جماعة إخوان الصفا، وأورد في محضر كلامه كلام أبي حيان التوحيدي الذي قال فيه وكتبوا فيها أي الرسائل أسماءهم، والنص الصحيح المعتمد في كتاب أبي حيان التوحيدي الإمتاع والمؤانسة هو وكتموا فيها أي الرسائل أسماءهم.
وأحد من أخذ من كتاب حرق الكتب كان يعزو لمراجع كنت قد عزوت لها بنفس الطبعة ونفس الأجزاء والصفحات ونفس الإحالات، وأنا على يقين من أنه لم يسمع بمجرد اسم ابن عبد البر أو جامع بيان العلم وفضله. ولعل لنا وقفات بعد ذلك مع أناس مارسوا السرقة الحقيقية دون مواربة أو حياء.