أكبر من غلاف كتاب
في بداية عهد الرئيس السابق باراك أوباما التقطت صورة له وهو ممسك بكتاب قبل أن يصعد على متن الطائرة المروحية الرئاسية. الصورة متعمدة، الغلاف مكشوف حتى تلتقطه الكاميرات. يهدف منها الرئيس إلى الترويج لكتاب صديقه المؤلف لتربيحه مادياً ولكن الهدف الأهم هو إيصال رسالة تقول إنه مقتنع ومؤمن بما فيه.
نظرية الكتاب ليست جديدة بل مطروحة في الجامعات والمجلات السياسية الدورية ولكن غريبة على الرؤساء الأميركيين في العقود الأخيرة حتى الديمقراطيين منهم. تقول الفكرة باختصار إننا نعيش في عالم ما بعد أميركا وهناك صعود لقوى جديدة ستقود العالم إلى جانب واشنطن. لسنا وحدنا من يمسك بالمقود، ولكن هناك أيادٍ جديدة تمسك به أيضاً. أي بمعنى آخر، تنازل طوعي عن قيادة العالم وتشكيل صورته التي عرفناها منذ عقود.
فكرة تختصر بجملة واحدة ولكن تداعياتها كبيرة. وقد عبّر عنها لاحقا بصور مختلفة أحدها في خطبة له عندما قال نحن استثنائيون بذات القدر الذي يرى اليونانيون أنهم استثنائيون. أي لا فرق بيننا وبين الآخرين وليس لنا أي دور جوهري مختلف عنهم. الرسالة واضحة، عندما يقتنع رئيس أقوى دولة في العالم بفكرة جديدة وغريبة ويريد منا أن نعرف، فيجب أن نربط الأحزمة. لأن في ذلك تحولا كبيرا في الاستراتيجية سيؤثر على النمط الدولي والسياسي الذي عرفناه منذ الحرب العالمية الثانية حيث قامت أميركا بخلق ما يسمى النظام الدولي الأميركي حينما تمكنت من خلق حالة طويلة من الاستقرار العالمي منع من ظهور حروب عالمية جديدة لم نعرفها منذ أكثر من 75 عاماً.
ومن المهم تذكّر أن النصف الأول من القرن الماضي شهد أكبر حربين عالميتين بتاريخ البشرية وبعدها دخل العالم بحالة من الاستقرار الطويل نتج عنه الازدهار الاقتصادي وبتنا لأول مرة نتحدث عن الكوكب المعولم وغابت الحروب بين الدول العظمى حتى هذا اليوم ولأطول فترة بتاريخ البشرية. هناك سبب منطقي لذلك هو أن النصف الأول من القرن الماضي ومع تراجع قوة الإمبراطورية البريطانية، لم تكن هناك قوة عظمى قادرة على إخضاع القوى المتصارعة المتنافسة والمتجاورة وفرض نظام دولي متماسك، لهذا دخل العالم بحالة من الفوضى المرعبة لم تنته عملياً إلا مع هزيمة الفاشية والنازية. هناك من يجادل أن الأسباب هي بسبب صعود النزعات القومية والدينية المتطرفة وهذا صحيح ولكن النزعات المتطرفة موجودة دائما ولكنها تتحول إلى أخطار مميتة إذا لم تكن هناك قوى تردعها وتهزمها بشكل حاسم.
ومن هنا الخطورة عندما أعلن الرئيس السابق باراك أوباما عن إيمانه بدخول عالم ما بعد أميركا أثار مخاوف من تداعياته. وهذا إلى حد كبير ما حدث إذا رأينا الاتفاق النووي مع إيران مثلاً. لأنه غير مقتنع عملياً بالنظام الدولي فقد عقد اتفاقية مع أهم القوى التي تهدف إلى تدميره وهدمه بشكل صريح. إذا كان النظام الدولي مبني أساساً على فكرة الدولة الأمة منذ معاهدة وستفاليا في 1648 التي تهدف إلى احترام الحدود وعدم التعدي وفرض عقائد دينية وسياسية بالقوة من أجل خلق حالة من النمو الاقتصادي والازدهار المادي ووقف الحروب، فإن النظام في طهران ينزع بشكل أساسي إلى خلق منطقة متزعزعة يزدهر بها نفوذه. منطقة تتفوق فيها المليشيات عسكريًا وماليًا على الدولة وهذا ما نراه من لبنان إلى سوريا إلى اليمن.
في اللقاء الشهير معه في آخر عهده قال الرئيس أوباما كلمته الشهيرة بأنه لا يريد حلفاء يركبون بالمجان. إجابة ملغمة لأن التعاون مع الحلفاء الموثوقين هو السبب الذي جلب الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لمناطق مختلفة من العالم مثل السعودية في الشرق الأوسط وكوريا الجنوبية واليابان في شرق آسيا. وعلى الرغم من قتل الرئيس أوباما لزعيم القاعدة أسامة بن لادن، إلا أن الجدالات التي يقدمها منظروه المفضلون أشاروا أنه بالإمكان تفكيك هذه التنظيمات المتطرفة بين أجنحة عنيفة وأخرى أكثر اعتدالاً بهدف إضعافها وإدخالها في عالم السياسة القابل للتفاوض وتقديم التنازلات. القناعة الكبرى أن مصدر التطرّف والأفكار المتوحشة ليست الجماعات المتطرفة مثل الإخوان المسلمين، ولكن غياب الحرية والديمقراطية. تم الترويج على نطاق واسع على أن تنظيمات إخوانية هي العلاج الفعال والبديل للجماعات الإرهابية.
كل زعيم له قناعات سياسية وتصوره للعالم وبدا فعلياً أن أوباما سيرسخ نظرية سياسية ستؤمن بها طبقة من السياسيين الطامحين المؤثرين في الحزبين. المشهد واضح، صعود الأوبامية بدعم من نخبة فكرية وسياسية مؤيدة لهذه النظرية ومنبهرة بشخصية الرئيس الكاريزماتية. شخصيات جمهورية، وليست فقط ديمقراطية، تقدم خطاباً انعزالياً يلقى ترحيباً شعبياً كبيراً خصوصاً بعد حرب العراق المتعثرة. لكن فوز الرئيس ترمب المفاجئ وغير المتوقع، عكس الموجة في لحظة صعودها القوي وأوقف هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية وهذا أحد أسباب النقمة المرة ضده. ورغم تغريدات ترمب الداخلية الشعبوية، إلا أن سياسته الخارجية تقودها شخصيات من المدرسة الجمهورية التقليدية التي تؤمن بفكرة النظام الدولي ولهذا أسرعوا بالإجهاز على عقيدة عالم ما بعد أميركا وعدّوها هرطقةً خطيرة. لهذا عادت العلاقة بقوة وسرعة مع الحلفاء التقليديين وعكست العلاقة الخطيرة مع نظام طهران المحاصر الآن بعد أن كان قبل ثلاثة أعوام يعيش حالة من الغرور والتهور وتصريحات علنية تحتفل بالسيطرة على العواصم العربية التي ينادي مواطنوها بطردها من أراضيها.
تحول كبير ومن المتوقع لو انتصر ترمب في الانتخابات القادمة أن يتحرر من تقديم التنازلات للجماهير الداخلية حتى يضمن إعادة انتخابه. حينها سيبحث الرئيس عن مجده في السياسة الخارجية بعد أن حقق مجده في السياسة الداخلية بإنعاش الاقتصاد وخفض البطالة وخلق الوظائف والأهم إعادة انتخابه. مجده الخارجي سيكون بتعزيز قوة النظام الدولي وهزيمة خصومه ولا يريد بالتأكيد ترمب أن يتذكره الناس بالرئيس الضعيف أو مطلق الوعود الفارغة، لذا هو يحاور كوريا الشمالية ويحاصر طهران ولم يحن الوقت الآن للأفعال. يقوم ترمب بكبح جماح أعضاء من إدارته الصقور وقدم بعضهم (بولتون) كبش فداء للجماهير الداخلية الغاضبة منه، ولكنه ليس مضطراً لذلك في عهده الثاني، على العكس سيعتمد عليهم لتحقيق انتصار كبير يذكره له التاريخ. فوز ترمب سيقضي بشكل مؤكد على بقايا العهد القديم. أما بفوز بايدن، فسنشهد بلا شك عودة لعهد أوباما جديد ولكن هذه المرة بشكل مختلف. سيكون خليطاً من الانعزالية والرعونة السياسية وخالياً من خطب للرئيس السابق تعجبنا بلاغتها ولغتها الرفيعة رغم الاختلاف مع مضمونها. ستحقق نظرية الكتاب في بداية المقال ولكن بصورة سيئة. سنكون كمن يشاهد نسخة جديدة من فيلم قديم ولكن بإنتاج رديء هذه المرة.