كايسيد والزمالة.. طريق مجتمع المؤمنين

إميل أمين
إميل أمين -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تبقى المملكة العربية السعودية ماضية قدما في طريق مسيرتها التنويرية، والتي هي جزء لا يتجزأ من رؤية 2030 الساعية إلى الانفتاح الإيجابي الخلاق على الآخر، واعتبار أن التعارف بين الأمم والشعوب أمر رباني وقرآني، وأنه لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة.

من قلب المملكة العربية السعودية نشأت مبادرة مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين اتباع الأديان والحوارات والثقافات المختلفة، وبشراكة مع مملكة إسبانيا وجمهورية النمسا وعضوية حاضرة الفاتيكان.

تنطلق رؤية كايسيد من قناعة بأن الحوار الخلاق يقوم على الاعتراف بالاختلاف والتنوع في الرؤى والمفاهيم، وبحرية التعبير عن هذا الإيمان، ومهمة الحوار هنا هي عدم تحويل الاختلاف إلى خلاف، انطلاقا من أن الحوار في رسالته الإنسانية لا يسعى إلى إدانة أو إلى تصحيح أو إلى إزالة الخلاف بين الناس، ولكنه يعمل على إرساء ثقافة احترام التعدد والتنوع على أنها قائمة ومستمرة فالسلام بين البشر لا يكون بإلغاء الاختلافات بل باحترامها عن طريق الحوار.

نحو ستة أعوام يقوم فيها مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز في فيينا بنشر روح التسامح وبسط ثقافة التصالح وقبول الآخر، ولا يألو جهدا في دعم المبادرات وإقامة برامج الزمالة التي تعزز من الوصول إلى الآخر وهدم الجدران الفاصلة وإقامة الجسور من أجل عالم أكثر سلاما وأمانا.

قبل بضعة أيام احتفل مركز الملك عبد الله بتخريج الدفعة الخامسة من خريجي كايسيد للزمالة الدولية، من 35 دولة لتعزيز ثقافة الحوار وترسيخ التعايش واحترام التنوع وقبول التعددية ودعم المواطنة المشتركة.

الذين ساروا في درب كايسيد أمضوا عاما كاملا من التدريب لينضموا بذلك إلى خريجي المركز البالغ عددهم حتى الآن نحو 279 خريجا من 59 دولة ومن 9 ديانات متنوعة، الامر الذي يفيد أن دور المركز يتجاوز الأديان التوحيدية الابراهيمية الثلاثة، إلى غيرها من الشرائع والنواميس الوضعية التي يؤمن بها نحو نصف سكان الكرة الارضية.

ماذا فعل هؤلاء الشباب خلال اثني عشر شهرا من التدريب؟

برنامج الزمالة عبارة عن حلقات تدريبية منتظمة، وحوارات مشتركة، وزيارات أماكن دينية متنوعة، وصناعة مبادرات ميدانية للحوار في مجتمعاتهم المحلية.

في كلمته خلال حفل تسليم الخريجين الشهادات والاحتفال بهم، والذي حضره أعضاء مجلس الإدارة من المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين والهندوس، وبتشريف سفراء الدول المؤسسة للمركز المملكة العربية السعودية والنمسا وإسبانيا والفاتيكان، أشار الأمين العام للمركز معالي الأستاذ فيصل بن معمر الى أن كايسيد وبدورها كمنظمة دولية إنما تسعى إلى تحقيق أهداف التنمية الأممية المستدامة من خلال تعزيز ومراعاة كفاح ما أطلق عليه "مجتمع المؤمنين"، وآمالهم وتجاربهم، لا سيما أن هؤلاء يشكلون نحو 80% من سكان العالم.

يؤكد السيد فيصل على أن برنامج الزمالة الذي يقوم عليه كايسيد هو أحد السبل التي تربط برباطات المودة بين الحوار الإنساني والتنمية البشرية، فحيث السلام والأمان، هناك النماء والبناء، وبعيدا عن كل مداخل الفناء والحروب الناجمة عن الكراهية في الصدور.

تدعو الأديان وإن بطرق مختلفة إلى ممارسة التسامح والعيش معا، وإلى بناء مجتمعات السلام التي تعرف معنى الجيرة الطيبة، وتوحيد القوى من أجل عالم ترفرف عليه أجنحة السلام، وتبعد عنه نذر الخصام المؤدية لا محالة إلى الحروب.

جميل هو التعبير الذي استخدمه السيد فيصل حين وصف زميل كايسيد المتخرج من مدارات مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز، بأنه الشخص الذي أدرك الحاجة إلى الحوار في أي ركن من أركان العالم الذي يعيش فيه.

والزميل بحسبه أيضا هو شخص تولى دعوة للحوار، وسعى للحصول على تدريب عملي ونظري في كيفية تنفيذ الحوار على المستوى المحلي.

والزميل هو الشخص الذي يحدث تغييرات في التصورات والمواقف، لاسيما في اماكن أكثر انقساما وأكثر اضطرابا في العالم، مما يساعد على خلق جو من الاحترام والتفاهم المتبادلين.

يبقى الإنسان هو القضية والإنسان هو الحل، ومن هذا المنطلق يؤمن القائمون على مركز الملك عبد الله للحوار بين اتباع الاديان والثقافات بأن كل زميل لكايسيد قادر على ان يعود إلى بلاده وقارته وهو محمل بافكار خيرة ومغيرة، وبقيم تقوده في يومه وليله إلى صنع عالم أفضل، وغد اكثر إشراقا، وبناء مجتمع المؤمنين الحقيقيين الناهضين بعوالمهم البشرية من تحت ركام الصراعات والنزاعات، إلى آفاق أكثر رحابة في سياق المعرفة بآخر.

أفضل ما يمكن الاشارة إليه هو أن زميل كايسيد وفي نهاية هذه المرحلة من التدريب قد أظهر شجاعة وقدرة والتزاما بالسعي في طريق الحوار، وفتح مسارب ومساقات للتنوع والتعددية، في عوالم وعواصم عرفت الأحادية الذهنية وكارثيتها، وها هي على موعد مع تباشير أيام وأحلام اللقاء وفرحته.

يجيء تخرج دفعة جديدة من زملاء كايسيد والعالم في حالة اضطراب وقلق بين قوميات متصارعة وشوفينيات متناحرة وأصوليات متقاتلة وإرهاب يضرب الأرض برمتها، غير أن شموع كايسيد قادرة على تبديد ظلام العالم المعاصر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.