السم المغشوش
تثور هذه الأيام ثائرة الدخان المغشوش، من حسن حظي لا أشرب الدخان ولا أعرف الأصلي من المغشوش، ربما كان المغشوش أقل ضرراً من الأصلي، أو ربما يكون ضرراً مختلفاً، يعني لك حق الاختيار في نوع الضرر، ضرر تعرفه ولا ضرر تجهله، حالة كوميدية لكن من حق الناس أن تأخذ البضاعة التي اتفقت عليها مع البائع وكل يعرف خلاصه.
رغم مرور أسابيع على القضية لم أعرف بالضبط ما قصة الدخان المغشوش.
قضية الدخان بصفة عامة تثير في ذهني كثيراً من القضايا الحقوقية، من أهمها لماذا لا يحظر استيراده؟ لماذا لا يرغم الناس على الامتناع عنه بقوة القانون كما هي الحال مع بعض المخدرات الخفيفة؟ لماذا اتفق العالم على منع المخدرات مثل الماريغونا وسمح العالم بأسره بتعاطي الدخان بشكل قانوني؟ معيار الضرر الصحي لا قيمة له هنا، كلاهما مضر بطريقته.
أظن والله أعلم أن سبب سماح دول العالم بتعاطي الدخان يعود إلى قدمه، عندما بدأ انتشار الدخان قبل قرون لا أحد يعرف مضاره، كان يبدو متعة بريئة لا تسبب الضرر فتغلغل في المجتمعات العالمية.
مشكلة التبغ أن عرفته البشرية عشبة مقدسة تعالج عشرات الأمراض بما في ذلك السرطان، وارتبط أيضاً بالحياة المقدسة والطقوس الدينية عند سكان أميركا الأصليين قبل أن يصل إليهم المستكشفون الأسبان، عندما انتقل إلى أوروبا انتقلت معه أسطورته، صار علاجاً ونكهة ومعطراً للفم وهكذا.
أصبح الدخان جزءاً من حياة الشعوب وحق ضمن حقوق الفرد، وإذا نظرت من جهة الضرر فلن ترى الدخان يقف وحده، ثمة مئات من المنتجات الحديثة تسبب أضراراً أشد من الأضرار التي يسببها التدخين، أقرب مثال السكر الأبيض، هذه المادة المسماة سكراً ضررها أكبر وانتشارها أوسع ومن ألذ الأشياء التي يتعاطاها الأطفال، الطريف في الأمر أن يشترك السكر مع الدخان في المصدر الأساسي، حيث وجد في كثير من بلاد شرق آسيا ولكنه أصبح منتجاً تجارياً واسع الانتشار بعد نقله إلى أميركا.
من يستطيع أن يمنع السكر يستطيع أن يمنع الدخان وهكذا سبحة طويلة لا نهاية لها اللحوم المعالجة والزيوت المهدرجة والكحول في معظم دول العالم.. إلخ.
مسألة الدخان المغشوش تثبت أن الدخان رضينا أم أبينا مادة أساسية في حياة الناس رغم ضرره البالغ، صار يدخل فيه الغش، شيء عجيب أن تجد من يغش السم وأنت تعرف أنه سم وتغضب من هذا الغش وتتهم من غشك بخلل في أخلاقه وأمانته، وتطالب السلطات التدخل لإنقاذ السم من الغش، نريده سما نقياً.
* نقلا عن "الرياض"