.
.
.
.

الجدل الجديد حول الليبرالية

السيد ولد أباه

نشر في: آخر تحديث:

«يورام هازوني» كاتب إسرائيلي أميركي، أصدر السنة الماضية كتاباً بعنوان «فضيلة النزعة الوطنية» انتشر على نطاق واسع، وأصبح له تأثير نوعي في التيارات القومية الشعبوية الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا. الفكرة الأساسية التي ينطلق منها هازوني هي التبشير ببديل قومي محافظ عن النزعتين الثوريتين المحوريتين في الحقل السياسي الغربي، أي الماركسية الجديدة والليبرالية.
ومنذ سقوط جدار برلين يَعرِف الغرب، حسب الكاتب، صراعاً حاداً بين نزعتين كثيراً ما يتم الخلط بينهما، وهما النزعة المحافظة والنزعة الليبرالية؛ أولاهما تتميز باهتمامها بالهوية القومية وفكرة الأمة العضوية والتقليد الروحي والثقافي، في حين تتميز الأخرى بالتركيز على السوق الحرة والحريات الفردية المجردة وحقوق الإنسان، من حيث هو ذات منفصلة عن المجموعة القومية أو الروحية.
التصور الليبرالي ينطلق فلسفياً، حسب المؤلف، من الذات الذرية المكتفية بنفسها، بما ينجر عنه النظر إلى الدولة كجهاز تنظيمي للإرادات الفردية، بحيث يكون الهدف الأقصى هو الوصول إلى إمبراطورية ليبرالية تشمل كل مناطق العالم التي تم تصدير المنظومة الديمقراطية الحقوقية إليها. ولا يختلف هذا التصور الثوري الراديكالي، حسب هازوني، عن التصور الماركسي الجديد الذي يستبدل مقولة صراع الطبقات بصراع الهويات الاجتماعية الجزئية داخل مجتمع ليبرالي متنوع ومتعدد.
ويخلص المؤلف إلى أن هذا التصور الليبرالي يرجع إلى أدبيات الفلسفة الرأسمالية الكلاسيكية، التي حولت السوق إلى نموذج للرابطة السياسية المنظمة على أساس قانون الشركات التعاقدية ومثال الربح والمنفعة القصوى، في حين أن النموذج المحافظ ترجع جذوره إلى النزعة القبلية اليهودية التي أبدعت صيغة الدولة الوطنية كاستمرار للهوية العائلية النسبية المترجمة في سلطة قانونية تعبر عن الهوية الجماعية.
إن هذه الأطروحة تجد اليوم أصداء واسعة في الاتجاهات القومية المحافظة، التي تتبنى صراحة ما كان قد أطلق عليه الكاتب السياسي الأميركي «فريد زكريا» مقولة «الديمقراطيات غير الليبرالية»، وهي المقولة التي اعتمدها صراحة العديد من القادة والساسة الغربيين مؤخراً.
صحيح أن الليبرالية التي هي الأفق الفكري والمعياري للثورات السياسية والاجتماعية الكبرى في العالم الحديث، خلال القرون الثلاثة الأخيرة، قد تعرضت منذ نشأتها لنوعين من النقد: النقد الاجتماعي للفردية الذاتية في تصور المجال العمومي وما يترتب على تمديد عقلانية السوق إلى أرضية الاجتماع البشري (أولوية الحريات المدنية على الحريات السياسية)، والنقد الثقافي في تصور الهوية السياسية، أي فكرة المواطنة من حيث هي انتماء واندماج مدني في جسم عضوي مترابط له ذاكرة تاريخية حية.
وإذا كانت الفكرة الليبرالية قد توزعت إلى اتجاهات ومدارس شتى (الليبرالية المجردة والليبرالية الاجتماعية والليبرالية الجمهورية والنيوليبرالية.. إلخ) وفق خط التمايز الواسع بين ليبرالية السوق وليبرالية الحقوق، إلا أنها كلها تتفق في مبدأ أساسي هو أولوية الإرادة الفردية الحرة في تأسيس وشرعنة النظام المدني السياسي، كما أنها تتفق في المرجعية التاريخية التقدمية.
ليس مشكل الليبرالية مع الأيديولوجيات المحافظة الجديدة هو الاعتراف بحقوق الانتماء القومي واعتبارات السيادة واستقلالية القرار الوطني، فمن البديهي أن فكرة المواطنة تستوعب من جهة السردية القومية التي تدخل في عمق الهوية السياسية الدستورية للدولة، كما تستوعب من جهة أخرى فكرة السيادة التي هي الترجمة القانونية لحقوق الذوات الحرة في المجال الخارجي.
لا ترفض الليبرالية بالضرورة مفهوم الهوية الثقافية للفرديات التي ليست ذرات منفصلة مستقلة عن سياقها المجتمعي، لكنها تعتبر هذه المحددات الثقافية ضمن إطار الحريات العملية الملموسة التي يتمتع بها الأفراد في إطار النسق المجتمعي المدني، فالمواطن في النموذج الليبرالي يمارس حقوقه ومسؤولياته ضمن إطار جماعي، وبالترابط مع غيره، لكنه يظل في نهاية المطاف قادراً على تعديل ومراجعة هويته المفتوحة. وتلك هي ميزة النظام الليبرالي، مقارنة مع النظم الاجتماعية التسلطية.
لقد طُرحت في الآونة الأخيرة إشكالية المنظور القيمي للتصورات الليبرالية في إطار الجدل حول سمتها الكونية المفترضة، وإمكانات تصديرها خارج السياق الغربي الذي هو مهدها الأصلي، وقد أصبح من الجلي اليوم أن المنظومة الليبرالية، من حيث طموحها الإنساني الكوني، تتمايز وتختلف في تطبيقاتها وتجاربها العملية، بحسب اختلاف الأرضيات القيمية والثقافية، لكنها قابلة للتأقلم مع مختلف السياقات الحضارية والاجتماعية، كما أثبتت التجارب الليبرالية الناجحة في آسيا وأفريقيا.
وفي كتابه الصادر عام 2003 بعنوان «مستقبل الحرية»، يذهب فريد زكريا إلى القول بأن المفارقة التي يعيشها عالم اليوم هي أنه بقدر ما تتوسع الممارسة الديمقراطية في جوانبها التعددية الانتخابية، تضيق مجالات الحرية والتسامح، بحيث يسير العالم إلى نمط من الديمقراطيات المتعصبة التي تتنكر لقيم التنوير والحداثة الليبرالية. وإذا كان هذا الاتجاه بدأ في الديمقراطيات الناشئة في الجنوب، فإنه أصبح جلياً في قلب العالم الغربي، بحيث فقد المطلب الديمقراطي في ساحات عديدة قدرته الفاعلة على التغيير المجتمعي الجوهري، وذلك أحد الأسباب البارزة للحركات الاحتجاجية الراهنة.

*الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.