.
.
.
.

تعويم أرامكو سيدفع بعجلة الإصلاحات السعودية

الأمير خالد بن بندر بن سلطان

نشر في: آخر تحديث:

إدراج أرامكو السعودية خطوة مهمة في طريق المملكة نحو تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط.

منذ اكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية في عام 1938م، وهو يُعد السمة الأبرز التي تُعرّف بلادنا اقتصاديًا وسياسيًا.

وبعد الإعلان عن عزمنا بيع بعض أسهم شركة أرامكو السعودية، الشركة النفطية الوطنية لدينا، ركزت معظم التعليقات الخارجية على التقييم الذي يمكن تحقيقه، وأحيانًا على الرسوم التي سيكسبها المصرفيون الأجانب.

ورغم أن هذا الشيء يعتبر مفهومًا، إلا أنه يُغفل النقطة الأهم. إن إتمام عملية طرح أرامكو للاكتتاب العام يمثل لحظة مهمة في تاريخ مملكتنا، كما يُمثل كذلك مرحلة هامة من مراحل برنامج إصلاح رؤية 2030 الذي استلهمه الملك سلمان وقام بتطبيقه ولي العهد.

لقد استطاع برنامج الإصلاح هذا تحديد بعض القضايا الأساسية التي تواجه أمتنا. إن اقتصادنا يعتمد بشكل كبير على النفط، ولكن على المدى المتوسط، ولأسباب اقتصادية وبيئية على حد سواء، يجب لهذا الوضع أن يتغير. إن لدينا فئة شبابية كبيرة في تركيبتنا السكانية، ونحن بحاجة إلى تطوير فرص عمل مجزية ومثيرة للتحدي. لا شك أننا قطعنا شوطًا طويلًا لنصل إلى ما وصلنا إليه، فلقد تحولنا من مملكة صحراوية نائية إلى قوة اقتصادية عالمية كبرى، في وقت قصير نسبيًا. ولكننا نعرف أن أمامنا الكثير للقيام به.

لذلك فإن رؤية 2030، مع ما تشتمل عليه من إصلاحات، تعد خطة ضرورية للغاية لإعدادنا لهذا العالم الجديد، وهذا هو السبب في حصولها على التأييد داخل المملكة العربية السعودية. ولو أن هذا الإصلاح لم يشتمل على أرامكو السعودية، لكان قد فوت بذلك أهم عنصر من عناصر اقتصادنا.

إن سعر الطرح الأولي، وحجمه، وموقع الإدراج، كل هذه عوامل مهمة ولكنها ليست أساسية. فالآن، وبعد أن أدرجت الحكومة جزءًا من أهم شركة للدولة في تداول، وبعد أن أصبح المستثمرون الدوليون والمحليون أصحاب مصلحة مشتركين، وبعد أن جمعنا أموالًا يمكن استخدامها لبرنامج التنويع الخاص بنا، يمكننا القول بأننا قد اتخذنا خطوة ما – خطوة لا ينبغي التقليل من أهميتها.

إن هنالك بعضا من جوانب الاكتتاب العام التي أفتخر بها شخصيًا، ليس أقلها الفرصة للسعوديين العاديين لشراء الأسهم. ولكن ما يهم ليس البيع نفسه، ولكن ما يأتي بعد عملية البيع. سنستمر في إثبات مرونة أرامكو في مواجهة التقلبات في أسعار النفط وأي محاولات خارجية لتعطيل إنتاج النفط. سنبرهن للعالم أن أرامكو تدار ببراعة وأنها فرصة استثمارية رائعة.

ولكننا قبل كل شيء، سنكون قد أرسلنا إشارة بأن الرؤية الرامية إلى اقتصاد سعودي أكثر تنوعًا ستصبح حقيقة على أرض الواقع، وكما أشرنا في وقت إطلاق الرؤية 2030، فإن قطاعنا الخاص سينمو في نفس الوقت الذي تتراجع فيه الدولة تدريجيًا عن بعض مشاركاتها في اقتصادنا.

ولقد أظهرت البيانات الاقتصادية بالفعل نموًا جيدًا وخلق فرص عمل في القطاع الخاص غير النفطي، وإن الاكتتاب العام سيُسرّع من هذه العملية. لقد كانت هناك معالم واضحة أخرى على هذا الطريق المؤدي إلى الإصلاح. إن السماح بالموسيقى في المطاعم، والانفتاح في الأماكن العامة والمعارض الفنية وآلاف المهرجانات العامة، قد يبدو كل هذا غير كافٍ بحسب المعايير الغربية، لكنها تمثل نقلةً حقيقية للسعوديين. لقد أصبحت مدن المملكة مراكز هامة للترفيه والثقافة والفنون.

ولقد بات الآن لدى الشباب الذين يشكلون غالبية سكان البلاد فرصًا أكبر لترفيه أنفسهم.

ويجب ألا نغفل قطاع السياحة، والذي كان لسنوات بمثابة عملية ذات اتجاه واحد، حيث كان السعوديون يسافرون إلى جميع أنحاء العالم. ولكن الآن بات يمكن للعالم القدوم إلى السعودية. لقد تم استحداث نظام التأشيرة الإلكترونية لأكثر من 50 جنسية، ومنذ شهر سبتمبر قام أكثر من 50 ألف سائح بزيارة السعودية، وكانت الأكثرية منهم من أصحاب الجنسيات البريطانية والصينية. ويقوم هؤلاء السياح بزيارة الشريط الساحلي للبحر الأحمر والآثار النبطية الاستثنائية في مدائن صالح.

بالطبع، لن يكون تحقيق هدفنا المتمثل في الوصول إلى 100 مليون سائح بحلول 2030 مهمة سهلة، حيث سيتطلب الأمر بنية تحتية كبيرة، ولكننا بدأنا في هذه العملية. لقد كانت هنالك أيضًا تغييرات متعلقة بوضع المرأة في المملكة، حيث باتت المرأة تتمتع بحقوق فردية أكبر لها كمواطنات إلى جانب تمكينها من قيادة السيارة. مرة أخرى، إننا ندرك أنه من المنظور الأجنبي، قد لا تبدو هذه التغييرات كافية، لكننا بدأنا عملية الإصلاح كما وعدنا. وبالطبع هذه التغيُّرات الخاصة بالنساء لها تأثير اقتصادي واجتماعي كبير، لأن مشاركة المرأة في الاقتصاد لدينا يعد بين أدنى المشاركات في المنطقة. وهذه تعتبر فرصة مهدرة، لأننا بذلك نخسر الملايين من رواد الأعمال والموظفين المحتملين الفعالين الذين يمتلكون تعليما عاليا. بالتالي سيساعد هذا الإصلاح في الدفع بعجلة النمو الاقتصادي.

وبالطبع، كما هو الحال مع أي برنامج إصلاح حقيقي، لن يكون التقدم سلسًا. على سبيل المثال، الهجمات التي تعرضت لها بلادنا وحقولنا النفطية وشحناتنا ومواطنينا التي نفذتها أطراف إقليمية أخرى، تسببت بعد وقوعها في زعزعة الاستقرار بشكل مؤقت.

ولكن في مواجهة عقبات كهذه، لم يتوان عزم حكومتنا الثابت في المضي قدمًا في برنامج الإصلاح. هذا لأننا ندرك أنه فقط من خلال الإصلاح يمكننا أن نحقق الاستقرار. ومع استعدادنا لاستضافة مجموعة العشرين، فإن المنطقة والعالم أجمع هم المستفيدون من أن تكون السعودية مستقرة وآمنة. وكما جاء في أحد كتب والدي المفضلة ذا ليوبارد: "من أجل أن تظل الأمور كما هي، ينبغي أن يتغير كل شيء".

* نقلا عن "تلغراف" البريطانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.