.
.
.
.

محاولة الإيرانيين الثالثة

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

حاولت طهران أكثر من طريقة للتعامل مع الرئيس ترمب بغرض كسبه وتحييده أو توريطه. والآن دخلنا في مرحلة جديدة اسمها المشاركة الفاعلة في الانتخابات القادمة من أجل هزيمته.

لنفهم المرحلة الأخيرة، من المهم أن نسترجع المراحل الماضية.

مرحلة الكسب أو التحييد بدأت في مرحلة مبكرة بعد تجاوز صدمة الخروج من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات. بغض النظر عن هجوم ولغة المرشد الإيراني الغاضبة، فإن الرواية التي تم ترويجها حينذاك أن ترمب ليس خلف الموقف المتشدد نحو إيران بل تلك الزمرة من أصحاب الأدمغة الحارة التي تحيط به. يدفعونه ليكون صقورياً ومتصلباً مع إيران رغماً عنه. حينها هاجم وزير الخارجية الإيراني ظريف (والكورس المصاحب له في الإعلام) بومبيو وبولتون وأشار إلى أنهم إلى جانب حلفائهم الأقوياء في المنطقة يرسمون السياسة الأميركية نحو إيران وليس ترمب.

استخدم حينها مستشار الأمن القومي جون بولتون كشخص يمكن شيطنته وإيغار صدر ترمب عليه الذي ساعدهم بتغريداته المتضاربة كل دقيقة. خلف كل ذلك حيلة نفسية تهدف إلى تصوير ترمب على أنه رئيس مغفل تجري من تحت قدميه المياه، وهذه المجموعة الأذكى منه تتلاعب به لإدخاله في مواجهة لا يريدها. لكن هذه الحيلة التي راهنت على أنا ترمب المتضخمة لم تنجح. كان هدفها كسب الرئيس إلى صفها وتقسيم وزرع الشكوك داخل فريقه المتخصص بالملف الإيراني.

النتيجة مخيبة والخطة كشفت. لم يحدث أي شقاق بل لاحظنا خطاباً ثابتاً واضحاً من الإدارة الأميركية. العقوبات من حينها زادت وشهدنا بعدها قائمة من المنظمات والشخصيات والشركات توضع تحت لائحة العقوبات لارتباطها بطهران. احتفل الإيرانيون بطرد ترمب لبولتون لبعض الوقت ولكنه أقصي لأسباب مختلفة أهمها تخريبه للمفاوضات مع كوريا الشمالية التي يراهن عليها ترمب لتكون إنجازاً خارجياً له. ورأينا في المقابل بروز شخصيات أكثر تصميماً في عدائها للنظام الإيراني مثل براين هوك. خرج وزير الدفاع الشهير بكراهيته للملالي جيمس ماتيس وأتى مكانه وزير دفاع آخر، مارك إسبر، يملك ذات الموقف.

محاولة التقسيم وكسب الرئيس ترمب فشلت وانتهت بعدها كل رسائل التودد المضمرة في التغريدات من ظريف ومناصريه من داخل الولايات المتحدة في مراكز الضغط ووسائل الإعلام. وكنا نرى حينها شخصيات معروفة بسخريتها من الرئيس الأميركي وتشكك بشرعيته غيرت من نبرتها وامتدحت حكمته بمقابل تهور وجنون من حوله.

بعد هذه المحاولة غير الناجحة جاء السيناريو الثاني وهو توريط الرئيس في مواجهة هدفها الأساسي فك الحصار وتخفيف العقوبات وقد رأينا ذلك يتكرر في أحداث متعددة أبرزها السطو على ناقلات النفط وأشهرها إسقاط طائرة الدرونز الأميركية. لم تنجح هذه المحاولة مرة أخرى بعد التراجع في آخر اللحظات (من المشكوك به إذا فكر ترمب فعلًا بتوجيه ضربة). هدف ترمب حينها عدم القيام بأي خطوة تدفعه غاليا الثمن في الانتخابات الرئاسية القادمة. وهذه نقطة أساسية تتحكم بعقله يفهمها الجميع وخصوصاً أعداءه لذا يسعون لاستغلاله بكل الطرق، وهذا ما يشرح لنا خطة الإيرانيين الثالثة والأخيرة بعدما فشلت الأولى والثانية.

يفكر الإيرانيون بأنفسهم على أنهم فريق مساعد في الحزب الديمقراطي. يريدون أن يقدموا لهم ما يريدون من أجل أن يستخدم ضد الرئيس لإضعافه حتى يتسنى لهم هزيمته. ولهذا فإن ضرب القاعدة الأميركية في كركوك وقتل أميركي كانت العربون الأول للديمقراطيين لاستخدامها كدعاية انتخابية ستنتج على هذه الصيغة: الرئيس رعديد يردد الوعود الفارغة ولكنه لم يستطع حماية أرواح الأميركيين. الرئيس يعرض حياة جنودنا للخطر. لماذا نحن أصلا في بيئة تكرهنا؟ هذه عناصر ملائمة يمكن أن تستخدم بنجاح بأي حملة انتخابية قوية. هدف مزدوج إحراج ترمب وتصويره بالضعيف وتوفير ذخيرة لمنافسيه الديمقراطيين للإطلاق عليه. وبذات الوقت تعميق الشعور بأن الأميركيين غير مرغوبين حيث سبقت الهجوم على القاعدة في كروك هجمات على قواعد أخرى أهمها عين الأسد بعد أربعة أيام من زيارة نائب الرئيس لها.

نسي الإيرانيون والميليشيات التي قامت بالهجوم بالصواريخ على القاعدة الأميركية أن قتل الأميركيين يسهل على ترمب فرصة الرد بقوة بدون أن يخسر من رصيده الانتخابي لأنه سيظهر بصورة المدافع عن الأميركيين في كل مكان ومن الصعب النيل منه داخلياً في هذه الحالة. وعندما تم الهجوم على السفارة الأميركية رد أيضًا ترمب بقوة لأنه لا يريد أن يعيد سيناريو القنصلية الأميركية في بنغازي ومقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز التي تحولت لفضيحة لاحقت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي كانت وزيرة الخارجية حينها.

هذه الخطة الأخيرة لا تزال في بدايتها وستنتهي في نوفمبر القادم. يسعى فيها الإيرانيون لإضعاف ترمب وتقوية خصومه في الانتخابات القادمة وبذات الوقت وضع مزيد من الضغوط من أجل أن يصدر قرار مغادرة القوات الأميركية العراق بشكل كامل وهذا مستبعد ولكن هذا يستحق مقالا آخر.

الضربات الأخيرة ربما تشكل بدايات نزعة غير هيابة لترمب سنراها بشكل أوضح بعد الانتخابات لا يتردد باستخدام القوة العسكرية مع غياب الحسابات الشخصية ودعم المؤسسة الجمهورية، مختلفة عن نزعة المغرد الغاضب أو نزعة الشخص خارج النص التي يستخدمها لضرورات شعبية انتخابية في الفترة الأولى. وصعود هذه النزعة هي أكثر ما يخشاه الإيرانيون ومناصروهم الذين سينضمون عملياً لحملة بايدن أملاً في استعادة السنوات الذهبية التي عاشوها بعهد إدارة الرئيس أوباما وهذه المرة على يد نائبه السابق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.