أردوغان.. نيرون تركيا المعاصر
ترى ما هو الإحساس الذي يعيشه الأغا العثمانلي أردوغان في هذه الساعات والتي يكاد فيها خياله المريض أن يصور له نصرا وفتحا كبيرين ما عليه سوى قطف ثمارهما في ليبيا؟
حكما يكاد الرجل يصدق أن ليبيا ستكون مدخلا لإعادة إحياء العثمانية البائدة مرة أخرى، وهو لا يدرك أن اتفاقياته الزائفة وقعت مع عميل وليس مع مواطن ليبي شريف، فالسراج رصدته الكاميرات الأيام القليلة الماضية وهو يتجول في شوارع لندن خلال عطلة رأس السنة، ولا يهمه ما يجري في بلاده، فهناك الميليشيات وهناك من الإرهابيين الكثر الذين يتولون عنه إدارة المعارك الدونكشوتية، الأمر الذي يعني أنه ليس راعي الخراف الحقيقي الذي يدافع عنها متى اقترب الذئب منها، وإنما هو الأجير الذي يترك قطعانه ويهرب.
اتفاقية أردوغان مع فريق مما لا تعنيهم ليبيا، ولهذا سوف يكون مآل أفكاره الفشل الذريع، بل ربما تكون ليبيا نهاية الأردوغانية الشريرة والفاشلة كذلك، تلك التي لا تحمل سوى الخيبات والانتكاسات في الداخل والخارج.
الناظر إلى حال ومآل أردوغان يجده يسير نحو الهاوية، فمن إخفاق إلى آخر، ولعل الناظر لقرار إرسال قوات تركية إلى ليبيا، يمكنه أن يرصد كيف أن الموافقة جاءت بهامش ضئيل، فالذين قالوا نعم 325 صوتاً والذين قالوا لا بلغوا أكثر من النصف أي بعدد 184 صوتا.
أتكون ليبيا إذن هي الفخ وتاليا المقبرة لأوهام أردوغان؟
أمران لابد من أخذهما بعين الاعتبار عند الجواب:
الأول هو الفشل الذي يلاحق الرجل في الداخل، لا سيما بعد خسارته الانتخابية الأخيرة، والمعارضة المتصاعدة التي ترى فيما يقوم به ضرب من ضروب الجنون لاسيما تجاه الدول العربية التي تشارك تركيا في الدين والتراث والعلاقات القديمة حلوها ومرها.
والأمر الثاني هو أن أردوغان قد صار عبئا على القوى الدولية وقد حان وقت الخلاص منه أميركيا وروسيا، وقد صور له خياله المريض أنه قادر أن يشارك الأقطاب الدولية لعبتها في تقسيم العالم جيوبولتيكيا على خارطة الشطرنج الإدراكية، لكن هيهات له أن يخدع الكل طوال الوقت.
يدرك القيصر بوتين أن تودد الأغا المنحول زائف، فالعثمانلي البغيض لا ينسى أن روسيا القيصرية قد شنت عبر التاريخ نحو ستة عشر حربا ضد تركيا كسبت في كل معاركها ولم تخسر واحدة، ما يعني أن روسيا لا يمكن أن تكون أبدا صديقاً للأتراك.
وفي الوقت ذاته يتعاطى الغرب الأوروبي – الأميركي مع أردوغان من حيث كونه "متعهدا"، وليس شريكا، متعهدا تستغل أرضه لإقامة قواعد عسكرية تجابه حلف وارسو في القديم، وتخدم الناتو في الوقت الحالي، في مواجهة التنين الصيني والدب الروسي.
لكن عند درجة معينة يصبح للتلاعب حدا وسدا، فيحرم من حيازة طائرات إف 35، والتي أراد الاحتفاظ بها مع صواريخ إس 400 وكأني به يود الحصول على "بلح اليمن وعنب الشام"، كما يقال مرة وإلى الأبد.
تبقى تركيا مهمة بالنسبة للناتو، لكنه جلي للقاصي والداني أنه بات من الصعب في ظل حكم أردوغان أن تحافظ تركيا على منظومة علاقات واقعية ووظيفية تتواءم مع الحقائق الإقليمية والعالمية الحالية، إضافة إلى حفاظها على مصالحها القومية.
أضحت سياسات أردوغان ومنها سعيه لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا تستند إلى ردات فعل عاطفية تارة، وهلاوس تاريخية تارة أخرى، إذ يخيل إليه أنه قادر على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء والسعي وراء ما يسميه ميراث أجداده العثمانيين في ليبيا.
منذ 2011 وأيادي أردوغان ملوثة بالتعاطي مع الإرهاب والإرهابيين في سوريا تحديدا، والتي حاول من خلالها المضي في مشروعه للخلافة المنحولة، والوهم الذي يطارده في صحوه ومنامه أن يكون قوة مكافئة للقوتين الإيرانية والإسرائيلية، وثلاثتهم لا يحملوا أي خير تاريخي للعرب .
ما هي حصيلة مغامرة أردوغان في سوريا عبر تسع سنوات؟
عند الصحافي التركي البارز " بوراك بيكديل "، أدى فشل أردوغان هناك إلى تكبيد أردوغان اضطرابا سياسيا مشوبا بالعنف على كلا جانبي الحدود البالغ 911 كيلومترا مع سوريا، فضلاً عن إهدار مليارات الدولارات على ما يزيد عن 4 ملايين من اللاجئين السوريين الذين انتشروا عبر الأراضي التركية.
يعن لأي محلل سياسي محقق ومدقق أن يتساءل: "إن كانت مغامرة أردوغان في سوريا الحدودية قد كلفته هذه الخسائر الفادحة ماديا ومعنويا فكيف له أن يتخيل انتصارا في ليبيا التي تبعد 2186 كيلومترا، يتطلب قطعها سفرا بحرا وجوا، إذ لا مجال للوصول إلى طرابلس عبر البر بحال من الأحوال، وهل لدى الرجل من الأموال ما يكفي لهذه المغامرة؟
بعيدا عن حسابات المغامرة التركية في ليبيا وكلفتها وموازنتها، نرى أن الاقتصاد التركي معرض للانهيار في 2020 فقد أقر البرلمان التركي ميزانية العام الجديد 2020 رغم توقعه حدوث عجز بقيمة 23 مليار دولار، فضلا عن زيادة الإنفاق العسكري.
البيانات الرسمية الأخيرة الصادرة من المؤسسات المالية الدولية تشير إلى أن عدد العاطلين عن العمل بالسوق التركية قد ارتفع مسجلا نحو خمسة ملايين فرد حتى نهاية سبتمبر الماضي، وفي سوق تشهد أزمات مالية متراكمة، كما سجلت الليرة خسائر بنحو 10% هذا العام، بفعل توترات في العلاقات بين أنقرة وواشنطن.
وحسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي فإن الاقتصاد التركي سيواصل الانكماش بسبب الظروف غير المسبوقة التي يشهدها، وسط ظروف سياسية متخبطة اوصلت الوضع إلى مستويات متدينة.
والشاهد أنه فيما الأتراك يعانون من انخفاض غير مسبوق في قيمة العملة التركية الليرة، تكشف تقارير رقابية تركية عن إنفاق أردوغان نفقات سرية وصلت إلى مليار و700 ألف ليرة بنهاية عام 2018، كما تكلف بناء القصر الخاص به مليون يورو، وأمر ببعض التطويرات لقصره بنسبة ارتفاع 160% خلال العام الماضي فقط.
يحرق أردوغان تركيا جهارا نهارا كما فعل نيرون، الأول يريد سلطنة تجاوزها الزمن، والآخر بحثا عن إلهام جنوني مفقود.
أردوغان نيرون تركيا، وعلى العالم وقف جنونه قبل أن تمتد ألسنة اللهب إلى مواقع ومواضع أخرى حول العالم، أما التماهي معه أو التغاضي عنه فربما يعني أننا أمام مؤامرة أممية جديدة يستخدم فيها أردوغان كبيدق على خارطة الشطرنج الدولية.