.
.
.
.

التلقي الجماعي وأثره على ثقافة المجتمع

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

هنا سألفت النظر إلى قضية معينة تستوجب الوقوف عندها وإعادة النظر في طرق وأدوات تفعيلها لتكون أكثر إيصالاً إلى المقصود، تلك القضية هي المحافظة على القيم الإنسانية والثوابت الاجتماعية والأخلاقية والترويج لها من خلال التلقي الجماعي لتلك القيم والأخلاق..

بغير مقدمة عن أهمية العمل الجماعي، وقوة الجماعة، وبركة الجماعة، ونجاة الجماعة، ولا مقدمة أيضًا عن مغبة الانفراد وضعف التفرد في كثير من مجالات الحياة، فإن هذين الأصلين لا نحتاج لكثير عناء كي يدركها المجتمع، فهي من المسلّمات التي يغني وجود شواهدها عن الحديث عنها، ولكني هنا سألفت النظر إلى قضية معينة تستوجب الوقوف عندها وإعادة النظر في طرق وأدوات تفعيلها لتكون أكثر إيصالاً إلى المقصود، تلك القضية هي المحافظة على القيم الإنسانية والثوابت الاجتماعية والأخلاقية والترويج لها من خلال التلقي الجماعي لتلك القيم والأخلاق، والاستفادة من كل محفل يتجمهر فيه أفراد المجتمع، ففي كثير من بلدان العالم ألقوا الحمل الأثقل لنشر إيجابيات مجتمعاتهم على تهيئة المجتمع لتلقي تلك المقاصد في محافلهم الجماعية كالسينما مثلاً والمسارح، والأعمال الفنية الأخرى التي تكون مظنة اجتماع الناس، فإن العمل الفني أو الإعلاني أو الرياضي أو المسرحي أو التلفزيوني، إذا تعددت جهات إعداده وتلاقحت فيه أفكار المبدعين، بحيث يستفاد من كل حركة وكلمة فيه لحصول المقصود، وتناول قضايا أخرى تترسخ في ذهن المشاهد الغائب والجمهور الحاضر، وإن لم تكن مقصودة في العمل نفسه، ولا يشك عاقل في مدى تأثير العمل الفني الناجح في المجتمعات، فقد يسأم الشخص حين ينفرد بمتابعة أي عمل فني من خلال شبكات التواصل المرئية والمسموعة، وهو الملاحظ على كثير من الشباب، إلا أنه في التلقي الجماعي لا يجد تلك السآمة والتضجر من تلك القصة أو العمل، ولا أدل على ذلك من تلك المسلسلات والقصص التي تجتمع عليها بعض الأسر لمشاهدتها، فإنك تجد التفاعل والحرص بل التذوق لهذا العمل الفني أو ذاك بسبب الاجتماع على مشاهدته وتلقيه، وكم تشكو المجتمعات من وجود بعض الإشكالات في أخلاقيات الأبناء ولا يعرفون مصدرها، والحقيقة أن مصدرها هو التلقي الجماعي لتلك الإشكاليات من خلال تلك المشاهدات أو تقليد تلك الصحبة.. إلخ.

وفي السينما والأفلام مثال آخر؛ حيث نجد في بعض البلدان الإقبال والحرص على تلك الساعات التي يقضونها لمشاهدة الأفلام، ويلقون لها كل الأسماع والأبصار، ولك أن تقدّر الإيحاءات والتفاعلات في قصة محكمة الإبداع، وهي تظهر مشهورًا محبوبًا للشباب يتجسد في دور بطل يجابه مجرمين وينقذ مستضعفين! ثم تجد المؤلف يحرص على إظهاره كقدوة للمشاهدين يتحلى بقيم وأخلاق وصبر وشجاعة، وحتمًا ستكون النتيجة إيجابية متى كانت الفكرة إيجابية. ومثل ذلك أيضًا المسارح والتجمعات التي تعد للأعمال الفنية والعروضات الإبداعية لو لوحظ فيها هذا الملحظ، وشُجع فيها المخرجون والمنتجون والمبدعون لإيصال الرسالة الاجتماعية الإيجابية بما يتوافق مع هدف العمل.

وإني على يقين أننا سنجد كثيرًا من الانتقادات والاتهامات لمثل كلامي هذا، ولكني أقول بواقعية لا تتعارض مع أبجديات الفقه، إن على المجتمع أن يدرك أن الصورة التي رسمت في الأذهان عن مجتمعات سلفنا الصالح، أنها لا تقارن بزمننا، فربما ما كان من السكان في دولة كبيرة قديمًا، قد يفوقهم عددًا سكان منطقة أو محافظة في زمننا، وهذا الانفجار في السكان يتطلب منا حتمًا تعدد الوسائل والتفنن في إيصال رسالة القيم، وترسيخ المبادئ، والحرص على أن يتلقى المجتمع إيجابيات الحياة جماعيًا وبكل لغات الإيصال، وربما بل مؤكد أن هذا سيخفف العبء الثقيل الملقى على منابر المساجد والمدارس ومراكز الوعظ، وما أجمل وأروع أن يتناسق المجتمع وتتبادل وجاهاته أدوار الحفاظ على مبادئه وثوابته التي لا تتنافى مع دين ولا حضارة. هذا، والله من وراء القصد.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.