.
.
.
.

العراق..بعد عمليةِ "البَرق الأَزرق"

رشيد الخيون

نشر في: آخر تحديث:

كان فجر الثَّالث مِن يناير 2020 غير عادي ببغداد، ومع أن العِراقيين تأقلموا مع الانفجارات الهائلة، منذ (1980-1988) حيث الحرب العراقية الإيرانية، وما بعدها، إلا أن هذا الانفجار بالذات شغل عواصم العالم كافة وليس بغداد وحدها، فوسائل الإعلام العالمية والعربية خرجت عن برنامجها المعتادة إلى متابعة الحدث، ألا وهو مقتل قائد فيلق القدس «قاسم سليماني»، ومستشاره ونائب قائد «الحشد الشَّعبي» أبو مهدي المهندس، وثلاثة معهما، مع أن ميليشيا «كتائب حزب الله- العراق»، التي يقودها المهندس، اعتبرت نفسها «مقاومة إسلامية»، كي لا تخضع لقيادة القوات المسلحة العِراقية، شأنها شأن «حزب الله» اللبناني له استقلاله على أنه يمثل المقاومة الإسلاميَّة. لكنَّ بعد القصف الأميركي لمعسكر الكتائب قُدمت على أنها ضمن «الحشد»، ومعلوم أن قائدها هو نائب قائد «الحشد».
منذ العام (2008) أخذ اسم سليماني يظهر في الإعلام على أنه يتردد على العراق، مع نفي عراقي، وذُكر أن له دور في وقف القتال بين الجيش العراقي و«جيش المهدي»، في ذلك الوقت. ظهر اسمه وأخذت تُنشر صوره خلال العام (2011)، أي في الأزمة السُّوريَّة، والحديث عن وجوده شبه الدائم ببغداد، حتى أعلن المسؤولون العراقيون أنه عُين مستشاراً حربياً لدى القوات المسلحة، ووجوده ببغداد خلال الأزمات العراقية بعد كلّ انتخابات. لم يكن دوره غامضاً، إنما كان واضحاً لدى العراقيين، لذا تناوله المتظاهرون، في ساحات المدن الوسطى والجنوبية، وهتفوا ضده بالاسم، بالمقابل أن أتباع الأحزاب والتَّنظيمات الدِّينية ترى وجوده طبيعياً، ضمن الحراك الإسلامي المقاوم.
كثّف سليماني وجوده بالعراق خلال التظاهرات الأخيرة، التي اختلفت عما سبقها، بأنها تطالب بالتغيير الشَّامل في السياسة العراقية، وأن عناصرها مِن الشَّباب الشِّيعة بالذات، وهذا الأمر كان مفاجئاً لدى الكثيرين، وتسربت أخبار كثيرة عن دوره في الأزمة العراقية الحالية، وما يخص اختيار رئيس وزراء مِن الكُتلة الأكبر، وما رفضه رئيس الجمهوريّة برهم صالح.
شقت عملية «البرق الأزرق»، العراقيون إلى رافض للتجاوز الأميركي على السيادة العراقيَّة، وأن سليماني أحد الأبطال في الحرب ضد «داعش»، وفريق آخر، وجله مِن المتظاهرين، اعتبروا هذه العملية لحظة انطلاق إلى تغيير في السياسة العراقية، بعد إزالة العقبة التي تمنع من الاتفاق أو اختيار شخصية مستقلة ذات خبرة اقتصادية وقانونية لرئاسة الوزراء، يشبه مؤهلات رئيس حكومة السُّودان الانتقالية عبد الله آدم حمدوك، الذي اختير بعد زوال نظام عمر البشير «الإخواني»، بغض النَّظر أن يكون مِن الداخل أو الخارج، المهم المؤهلات والوطنيَّة.
فمَن كان يتعذر بالتدخل الخارجي في تشكيل الحكومة، التي يرتضيها المحتجون في ساحات المدن العراقية، اعتبر ما بعد عملية «البرق الأزرق» يؤهل إلى حل الإشكال المزمن في اختيار الحكومة منذ (2003)، لكن هل الجانب الأميركي يكف عن التَّدخل، كي لا يكون هناك عُذر للقوى الأخرى بالتَّدخل؟! لا نظن ذلك، فالأميركان يعتبرون أنفسهم هم القابلة التي أولدت هذا النَّظام، وليس هناك مَن يُنافسها على التَّدخل في شؤونه، ومع وجود النّزاع بين الأميركان والإيرانيين، في أكثر مِن عاصمة عربية، وجد الاثنان أرض العراق ميداناً للمبارزة، وكان شرارها قصف القاعدة الأميركية قرب كركوك(كي وان)، مِن قِبل كتائب «حزب الله»، والهجوم الصاروخي الأميركي على معسكر للكتائب، ثم الهجوم على السفارة الأميركية، فعملية «البرق الأزرق».
حصل هذا، والعراق مازال تديره حكومة تصريف أعمال، والرقاب تشرئب إلى حكومة انتقالية، لم يعد المؤثر الخارجي الإسلامي قوياً في تشكيلها، فمَن يأتي بعد قاسم سليماني، لإدارة الملف العراقي، لا يحتل مكانته بهذه السرعة، فقد تراكمت الخبرة لديه، لا يعتبره الإسلاميون تدخلاً، إنما هذا ما تفرضه العقيدة الدِّينية، التي تتجاوز حدود الجغرافيا، بينما يعتبره الآخرون، وهم المنتفضون، تدخلاً أجنبيا! لكنَّ المشكلة بتقدير طبيعة التَّدخل، فهناك مَن اعتبر «البرق الأزرق» خرقاً سافراً للسيادة العراقيَّة، بينما آخرون اعتبروا وجود قاسم سليماني طوال هذه السنوات، خرقاً للسيادة أيضاً، لذا كان «البرق الأزرق» أو ضرب القاعدة الأميركية حرباً بين أجانب على الأرض العراقيّة، فممَن تُطلب السِّيادة؟!
أقول: هل كُتب على العِراق تجاذب الثّنائيات: أمويون وعباسيون، سلجوقيون وبويهيون، قراقويونلو والآق قويونلو، عثمانيون وصفويون، إلى آخر الثنائيات الخارجية والداخلية، غير أن أخطرها الثّنائية التي يعيشها الآن، فسلاحها ليس السَّيف والبندقيّة! يقول أبو السرّي معدان الشَّمَّيطي(ت160هجرية)، في الثّنائيات العقائدية: «تركا بالعِراق داءً دوَّيا/ضلَّ فيه تلطّف المحتال/ وفريقٌ يُدينُ بالنَّص حتماً/وفريقُ يُدين بالإهمال» (الجاحظ، كتاب الحيّوان). فماذا سيكون عليه العراق بعد عملية «البرق الأزرق»، هل يتجنب الثّنائية التي يقفا طرفاها على أرضه بقوة، أم يتبع مصيره بما يؤول إليه النَّزاع؟!

*نقلا عن صحيفة الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.