.
.
.
.

ليبيا.. وفخ وقف إطلاق النار

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

على حين غرة ارتفع الصوت الروسي وبدأ التحالف مع تركيا فيما يخص الملف الليبي يتبلور على الأرض بصورة مثيرة للجدل، لا سيما مع الدعوة التي أطلقت لوقف إطلاق النار بين الأطراف الليبية، أي بين الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وبين جماعة الوفاق التي باتت الجماعات الإرهابية تقودها، والمرتزقة الأجانب هم العنصر الفاعل فيها، وتوارت عن الأنظار العناصر الليبية الوطنية فيها.

لا يحاجج أحد بأن الجميع يتطلع إلى وقف الحرب وإراقة الدماء في أي موضع أو موقع حول العالم، فالأصل هو السلام والاستثناء هو الحرب أو هكذا يجب أن يكون.

غير أن فكرة الهدنة ووقف إطلاق النار يمكن أن تقبل في حال الأزمات التي تحتدم بين القوى الشرعية المتقاتلة والمتناحرة، وهو كذلك أيضا بين الجيوش النظامية، غير أن المشهد في ليبيا على العكس من ذلك بالمطلق، فالصراع الآن دائر بين قوى وطنية وجماعات مارقة، ما يعني أن مسألة وقف إطلاق النار لا تنسحب عليها الشروط الكلاسيكية لما يجري في الحروب والصراعات الأممية الكبرى.

يستلفت الانتباه أن الصوت الروسي التركي ارتفع في الوقت الذي يتقدم فيه الجيش الوطني الليبي إلى الأمام ويقترب من طرابلس، بعد أن استطاعت قواته قهر الإرهابيين من سرت ومضت إلى بعض النقاط القريبة من مصراته، والتي بات تطهيرها من المرتزقة قاب قوسين أو أدنى.

ما دلالة هذا التوجه الذي يجمع موسكو وأنقرة، وهل هو لصالح الليبيين بالفعل، أم أن الأمر بمثابة فخ لإسقاط الدولة الليبية من جديد في وهدة الصراع؟

الملاحظ أن نحو عشر سنوات تقريبا قد مضت على احتدام الصراع الليبي – الليبي، خلالها بدت ليبيا ميدانا لحروب بالوكالة، وقد لعبت روسيا دورا واضحا في دعم المشير حفتر، ولهذا فإن هناك حالة اندهاش حول الأسباب التي تدفع القيصر بوتين في طريق التحالف مع السلطان المنحول أردوغان، للتدخل في المشهد الليبي وبما لا يصب في صالح القوات الوطنية الليبية.

ما الذي يعنيه وقف إطلاق النار في هذا الوقت القيم والحساس الذي ينتصر فيه الوطنيون من الليبيين؟

باختصار غير مخل أنه فخ ينصب لحين وصول بقية المدد التركي، سواء كان ذلك عبر المزيد من المقاتلين الإرهابيين الذين تجليهم الطائرات التركية عن إدلب وبقية المناطق السورية العراقية التي اندحر فيها الدواعش إلى طرابلس، أو عبر إرسال قوات نظامية تركية إلى هناك، ومحاولة تغيير المشهد على الأراضي الليبية مرة وإلى أجل طويل.

أضحت ليبيا في الوقت الراهن وكأنها أرض حروب بالوكالة، الجميع يعلو صوته، والبعض يرسل قواته، وفكرة المجتمع الدولي قد توارت عن الأنظار، ويكاد الناظر لليبيا يوقن بأن مخطط تقسيمها هو صاحب النصيب الأوفر من الحلول، طالما بات مجلس الأمن صامتا وغير قادر على تجهيز تجريدة عسكرية أممية لإنهاء الصراع على الأرض.

أحسنت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية في ردها على دعوة الروس والاتراك، إذ اعتبرت أنها ترحب بمبادرة إحلال السلم من جانب موسكو وتحقيق الاستقرار في ليبيا، غير أن هذا السلم لا يتحقق الا من خلال دولة وطنية مدنية ليبية لا مكان فيها للعصابات والمجموعات الارهابية التي تتلقى الدعم من الحكومات التي لا تحمل الخير تاريخيا لليبيا.

لا ترفض قيادة القوات المسلحة الليبية مطالب التحول الديمقراطي واستئناف العلمية الديمقراطية السياسية والتوزيع العادل للثروات بين الليبيين وبعضهم بعضا، لكن ما يجري على الارض الآن بعيد كل البعد عن واقع استنهاض دولة ليبية حقيقية، وأي حديث عن هدنة أو وقف إطلاق نار هو باب دوار يتيح الفرصة من جديد للدواعش والاتراك للولوج إلى قلب ليبيا.

في الدعوة لوقف إطلاق النار التفاف حول الصحوة الوطنية الليبية التي تجرى بها الاقدار على الأراضي الليبية، ومن آيات ذلك انضمام فرق عسكرية كاملة على طول الساحل الشمالي الليبي ما بين سرت ومصراته إلى القوات الوطنية الليبية، وعليه يصبح لمصلحة من وقف تقدم جيش البلاد إلى الأمام، وقبل مؤتمر برلين لسحب أي أوراق انتصار من أيدي المشير حفتر ورجاله، والعودة مرة جديدة إلى المربع رقم واحد؟

سؤال آخر: لماذا يبادر القصر بوتين بالتعاون مع السلطان المنحول أردوغان، وهو يعلم أن التركي لا يمكن أن يكون صديقا للروسي بحال من الأحوال، سيما أن أنقره تدعم أوكرانيا في مواجهة موسكو؟

القيصر يعلم علم اليقين أن أردوغان يحاول جاهدا استعداء واشنطن إرضاء لموسكو، لكنه ومع ذلك لا يثق فيه، ورغم ذلك تبقى البراغماتية هي سيدة الموقف، فهل ما يجري من تعاون روسي تركي في ليبيا هو مقايضة بين الجانبين هدفها تفريغ أي نفوذ تركي من سوريا لصالح موسكو، وفي المقابل دعم موسكو لوجود الأتراك على الأراضي الليبية وتسهيل إزعاجهم للأوربيين بداية الأمر والأميركيين تاليا؟

كل السيناريوهات في واقع الحال مفتوحة ومتاحة، ومن غير أن ننسى أن أردوغان يظن أنه بحاجة إلى شيطنة أميركا ومقاومة سياسات أميركية في سوريا وشرق المتوسط.

التعاون التركي – الروسي في الملف الليبي يثير الكثير من التساؤلات حول سحب البساط من تحت أقدام الأوروبيين من جهة، ودول الجوار العربي على شاطئ البحر الأبيض المتوسط من جهة ثانية، ويؤثر تأثيرا سلبيا طولا وعرضا شكلا وموضوعا على أي بوادر إيجابية يمكن أن يتم توقعها من قمة "برلين" القادمة، إذ ستضحى على الأراضي الليبية معادلة توازن جديدة.

مثير جدا أمر روسيا هذه المرة ودعوتها لقرار وقف إطلاق النار، الأمر الذي يستدعي علامة استفهام أكثر إثارة: "هل نحن أمام استنساخ لسيناريو سوريا مرة أخرى بشراكة روسية تركية، وما هو الثمن الذي سيقبضه الروس إذا صحت التحليلات التي تشير إلى أن موسكو ستكون رديفا لتركيا في ليبيا؟

شيء ما غير مريح يتخلق في رحم الساعات والأيام القليلة القادمة، ويزيد الهواجس الصمت الأميركي المدوي تجاه ليبيا حتى الساعة.. غير أنه وفي كل الأحوال لا يجب الاستسلام لفخ وقف إطلاق النار، إذ إن السيف يبقى أبدا ودوما أصدق أنباء من الكتب.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة