الانهيار الخطير للتحالف الأميركي التركي

فيليب غوردون وأماندا سلوت -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
12 دقيقة للقراءة

الولايات المتحدة وتركيا تسيران في مسار تصادمي. على الرغم من أن البلدين كانا حليفين في حلف الناتو منذ ما يقارب 70 عامًا، إلا أن هذه الشراكة تدهورت تدريجيًا على مدار الأعوام القليلة الماضية، حيث تساءلت واشنطن عما إذا كان يمكنها الاعتماد على تركيا وأنقرة تخشى ألا تأخذ الولايات المتحدة مخاوفها الأمنية على محمل الجد. وفي الأشهر الستة الماضية، تراجعت العلاقات بشكل حقيقي.

وفي يوليو، حصلت تركيا على أنظمة دفاع جوي روسية متقدمة بالرغم من الاعتراضات الامريكية، وفي أكتوبر، استهدفت الميليشيات السورية الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة كجزء من عملية توغل في شمال سوريا. وصبت الولايات المتحدة جام غضبها على تلكم التطورات وفرضت مجموعة كبيرة من الإجراءات العقابية: رفضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تسليم طائرات مقاتلة من طراز F-35 إلى تركيا، وعاقبت كبار المسؤولين الأتراك، ورفعت الرسوم الجمركية على صادرات الصلب التركية، في حين مرر الكونغرس تشريعًا جاء لفرض عقوبات قوية على صناعة الدفاع التركية، ودعا إلى إجراء تحقيق في الفساد المالي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأصدر بأغلبية ساحقة قرارًا – لأول مرة في مجلسي الكونغرس – يعترف بمذبحة الأرمن في 1915 في عهد الإمبراطورية العثمانية باعتبارها إبادة جماعية. وفي واشنطن، يشكك البعض الآن في استمرار عضوية تركيا في حلف الناتو، على الرغم من أن التحالف ليس لديه آلية لطرد عضو.

وبدورها، أصرت تركيا بغضب على أنها لن تتراجع. وهددت بشراء المزيد من معدات الدفاع الروسية، والانتقام من رفع قيمة التعريفة الأمريكية، وطرد القوات الأمريكية من قاعدتين عسكريتين مهمتين في تركيا. وقد دفع التهديد الأخير الولايات المتحدة إلى التفكير في نقل الأصول الاستراتيجية من تركيا وتوسيع التعاون الدفاعي مع اليونان والسعودية والإمارات.

وقبل أقل من عقد من الزمن، كانت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما - التي عملنا فيها – تتطلع إلى بناء "شراكة نموذجية" مع تركيا. فهناك تكاليف باهظة لمعاملة تركيا الآن كخصم، بما في ذلك دفع أنقرة إلى أحضان أعداء الولايات المتحدة مثل إيران وروسيا. ولمنع مثل هذه النتيجة الكارثية، تحتاج كل من إدارة ترمب والكونغرس إلى فهم جذور الصدام بين تركيا والولايات المتحدة بشكل أفضل وتجنب الإجراءات العكسية التي ستؤدي فقط إلى تفريق البلدين. إن وجود شيء من التوتر مع أنقرة أمر لا مفر منه، بالنظر إلى الخلافات الحالية، والاستياء المتراكم، والمشاعر القومية للمواطنين والمشرعين في كلا البلدين.

على الرغم من أن البلدين لديهما قائمة طويلة من الشكاوى تجاه بعضهما البعض، إلا أن أكثر مصادر التوتر إلحاحا هما شراء تركيا لمعدات عسكرية من روسيا وغزوها لشمال سوريا. ولا شك أن رغبة الولايات المتحدة في معاقبة أنقرة على هذه التصرفات أمر مفهوم. وألقى أردوغان اللوم باستمرار على إدارة أوباما لإهمالها احتياجات الدفاع الجوي التركية و"رفضها" بيع صواريخ باتريوت إلى تركيا، وهي أكاذيب ساعدته على بناء دعم محلي لشراء نظام الدفاع الجوي الروسي S-400 ومكنت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من اتهام سلفه بالإهمال. ولكنها ادعاءات غير صحيحة. فتحت إشراف الناتو، نشرت الولايات المتحدة وحلفاؤها صواريخ باتريوت – وغطوا تكاليف النشر على نفقتهم الخاصة – على طول الحدود الجنوبية لتركيا في عام 2013، على الرغم من أن تهديد الهجمات الصاروخية من سوريا كان محدودًا. وعرضت واشنطن أيضًا بيع صواريخ باتريوت لتركيا بشروط مواتية مثلما عرضت على أي دولة أخرى، لكنها رفضت مطالب أردوغان بشأن التسعير ونقل التكنولوجيا.

وعلاوة على ذلك، كان المسؤولون الأمريكيون واضحين منذ البداية أن نظام S-400 الروسي يحتوي على رادار متطور ولوغاريتم ذكاء اصطناعي يمكنه بمرور الوقت جمع معلومات استخبارية حول طائرات F-35، مما يهدد فعالية طائرة كلفت بالفعل مطوريها الأمريكيين مئات مليارات الدولارات. وادعاء تركيا بأن الولايات المتحدة لم تحذر قط من هذا التعارض هو ببساطة غير صحيح.

والفجوة بين أنقرة وواشنطن حول سوريا أوسع. فبعد أن تعاونوا عن كثب مع فصيل من المقاتلين الأكراد السوريين لسنوات في القتال ضد تنظيم داعش، كان العديد من المسؤولين والجنود الأمريكيين يشعرون بالغضب وهم يشاهدون ترامب يمنح أردوغان ضوءًا أخضر لاكتساح شمال سوريا. وحوّل التوغل التركي الآلاف من السكان المحليين إلى لاجئين، وعزَّز شوكة إيران وروسيا في سوريا، ولم يترك لشركاء الولايات المتحدة السابقين الأكراد أي خيار سوى إقامة علاقات أوثق مع نظام بشار الأسد بشروط مواتية للنظام.

وفي الوقت نفسه، لا يستطيع المسؤولون الأمريكيون التظاهر بأنهم لا يفهمون الدوافع وراء تحرك تركيا. فقد كانت معارضة أنقرة الشديدة لدعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب (YPG) – وهي المجموعة الكردية السورية التي ساعدت كثيرًا في القتال في الحملة ضد داعش في شمال سوريا – واضحة منذ البداية. إن علاقات وحدات حماية الشعب الكردية بحزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا، والذي يعتبره كل من أنقرة وواشنطن منظمة إرهابية، تعني أن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي أبداً لأن الولايات المتحدة سلّحت ودرّبت مجموعة اعتبرتها [أنقرة] تهديدًا وجوديًا. وبعد الفشل في التوصل إلى اتفاق مع أنقرة للقيام بعمل عسكري مشترك في سوريا في عام 2014، تحالفت واشنطن مع وحدات حماية الشعب رغم الاعتراضات التركية الصاخبة. وقال المسؤولون الأمريكيون إن التعاون مع وحدات حماية الشعب سيكون "مؤقتًا وتكتيكيًا وبحسب المصلحة"، لكن العلاقة بدأت في تطوير عناصر استدامة – خاصة وأن القوات الخاصة الأمريكية شكلت روابط مع نظرائهم من الأكراد المتواجدين في الخنادق وكذلك قام الدبلوماسيين الأمريكيين بدعم أنشطة إعادة الإعمار في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا. وعلى الرغم من أن هناك عملية دبلوماسية جارية لمعالجة المخاوف الأمنية لأنقرة، إلا أن أردوغان نفد صبره من وتيرة المحادثات وضغط بخصوص هذا المسألة مع ترامب في مكالمة هاتفية في شهر أكتوبر، وفيها وافق الرئيس الأمريكي على التدخل العسكري التركي.

الكونغرس يُصعِّد الأمر

عند هذه النقطة، فإن ما تبقى من العلاقة الثنائية يعتمد إلى حد كبير على العلاقة الشخصية المتقلبة بين الرئيسين الشعبويين والزئبقيين، وكلاهما عرضة للانفعالات العاطفية واتخاذ القرارات الفوضوية. لقد تأرجح ترامب بين التعبير عن التعاطف مع موقف تركيا وتهديده أردوغان، "بتدمير وطمس" الاقتصاد التركي وتحذير أردوغان من أن "لا يكون أحمقًا!". وفي النهاية، ومن خلال سعيه للحفاظ على علاقات وثيقة مع أنقرة، فهو قد ابتعد عن آراء العديد من مستشاريه وأعضاء الكونغرس من كلا الحزبين. وفي المقابل، يبدو أن أردوغان يرجو أن ترمب سيحمي تركيا من غضب الكونغرس والعقوبات الغليظة – كما فعل الرئيس الأمريكي حتى الآن برفضه تطبيق العقوبات التي فرضها الكونغرس وإظهار تعاطفه العلني مع المواقف التركية – لكن هذا قد يكون سوءًا في التقدير.

وعلى الرغم من اجتماع الثالث عشر من نوفمبر في البيت الأبيض الذي بدا فيه ترامب وأردوغان ودودان – وبعد أن قال ترامب إنه "معجب كبير" بالرئيس التركي – فمن المرجح أن تتدهور العلاقات أكثر. وفي التاسع والسابع عشر من شهر ديسمبر، أقر مجلس النواب ومجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة مشروع قانون تفويض دفاعي يدعو إدارة ترامب إلى فرض عقوبات على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات لعام 2017 (CAATSA)، والذي يهدف إلى ثني الدول عن شراء معدات الدفاع من روسيا بسبب تدخلها في الانتخابات الأمريكية عام 2016. وفي الحادي عشر من ديسمبر، صوتت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بأغلبية 18 مقابل 4 لصالح حزمة عقوبات منفصلة، على غرار تلك التي سبق وأن أقرها مجلس النواب لمعاقبة أنقرة على الأفعال التي قامت بها في سوريا بمباركة من ترامب. ويمكن أن يُصوِّت مجلس الشيوخ على حزمة العقوبات قريبا.

إن فرض عقوبات على قطاع الدفاع التركي قد يدفع أنقرة إلى شراء المزيد من معدات الدفاع الروسية – وهي النتيجة ذاتها التي يهدف كل من قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA) والتشريعات الجديدة إلى ردعها – وهذا بدوره سيؤدي بالتأكيد إلى عقوبات أمريكية إضافية، ومزيدًا من الانتقام التركي، وتصاعد حدة التوتر والاستياء. وعلاوة على ذلك، فإن العقوبات التي اقترحها الكونغرس لن تفعل شيئًا لإبطال تدخل تركيا في سوريا أو إيقاف تشغيل منظومة الصواريخ S-400. وستبقى أنقرة وواشنطن على خلاف، مما قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة فقط.

لإيجاد طرق مثلى للمضي قُدما، يجب على الرئيسين أن يكلفا كبار دبلوماسييهما باستكشاف حلول عملية بعيدًا عن وهج السياسة. ويمكن لنائب وزير الخارجية الأمريكي الجديد ستيفن بيجون والسفير الأمريكي لدى تركيا ديفيد ساترفيلد والمبعوث الخاص لسوريا جيمس جيفري، وهو سفير سابق في تركيا، أن يعملوا مع نظرائهم الأتراك الذين يرغبون أيضًا في الحفاظ على العلاقة.

إن فتح مثل هذا الحوار لن يمنع خيارات أكثر صرامة. حيث بات من شبه المؤكد أن تركيا سوف تستخدم نظام S-400، وهذا الإجراء يستلزم ردًا قويًا من الولايات المتحدة. ويجب على الولايات المتحدة تطبيق قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA) – والذي هو في النهاية القانون بالفعل – ولكن على الأقل يمكن في المدى القصير أن تتجنب اتخاذ أقسى التدابير التشريعية، مثل رفض منح تراخيص التصدير لمبيعات الدفاع. ويجب على إدارة ترامب ألا تتنازل عن مسألة عدم التوافق مع طائرات F-35: إذا استخدمت تركيا النظام وجعلت رادارها يعمل بشكل كامل، يجب أن تظل مستبعدة من برنامج طائرات F-35. حتى في هذا السيناريو، على واشنطن أن تعمل على عزل الضرر عن طريق السعي للحفاظ على علاقة دفاعية أوسع والتأكد من أن تركيا تتخلى عن أي مشتريات دفاعية كبيرة أخرى من روسيا.

ويجب أن تستمر المناقشات المنفصلة مع أنقرة حول مستقبل سوريا. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة فقدت نفوذًا كبيرًا على أرض الواقع بعد انسحابها واستيلاء روسيا على الأراضي التي كانت تسيطر عليها في السابق وحدات حماية الشعب، إلا أنها لا تزال لديها قوات في سوريا ويجب عليها مواصلة دعم الجهود لتطوير ترتيبات الحكم والأمن المستدامة في البلاد. وبعد أن سمحت لتركيا بغزو سوريا لمنع إنشاء كيان كردي يتمتع بالحكم الذاتي، ينبغي على ترامب أن يستخدم علاقته مع أردوغان لتشجيع استئناف محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني والتي كانت الحكومة التركية قد وعدت بها من قبل والتي تعد الوسيلة الوحيدة لحل المسألة الكردية الأوسع.

وقد يكون للكونغرس دور أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بسوريا. ويحتاج المشرعون إلى التفكير مليا فيما يأملون تحقيقه من خلال العقوبات ذات الصلة بسوريا إلى جانب توبيخ أردوغان أو ترامب. يجب أن يكون الغرض من العقوبات هو ردع السلوك السيئ في المستقبل، وليس فقط التعبير عن الغضب من التجاوزات السابقة. شئنا أم أبينا، فقد ذهبت تركيا إلى شمال سوريا بمباركة ترامب.
ويجب على الكونغرس أن يستخدم تهديد العقوبات المستقبلية لدفع أهداف عملية قابلة للتحقيق. على سبيل المثال، يمكن للكونجرس أن يأذن بفرض عقوبات من شأنها أن تدخل حيز التنفيذ إذا ارتكبت تركيا أو القوات المدعومة من تركيا انتهاكات لحقوق الإنسان، أو إذا دخلت المدن ذات الأغلبية الكردية، أو أرسلت قوات خارج "المنطقة الآمنة" المتفق عليها على طول الحدود بين سوريا وتركيا. إن استهداف العقوبات بهذه الطريقة قد يؤدي إلى نتائج إيجابية، في حين أن ربطها بأهداف قصوى ولكنها مرجوة، مثل الانسحاب التركي السريع من سوريا، كما يتطلب التشريع الحالي، لن يؤدي إلا إلى تأجيج دورة الانتقام. بدلاً من ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تقدم حوافز لسلوك أفضل (مثل إحياء محاولة بيع صواريخ باتريوت إذا تم حل المأزق القائم حول منظومة S-400). وفي نفس الوقت، ينبغي أن تسعى إلى تعزيز الجوانب الأقل إثارة للجدل في العلاقة (بما في ذلك الجهود المبذولة لتوسيع التجارة)، والحفاظ على حقوق الإنسان على جدول الأعمال الثنائي.

ومن المهم بشكل خاص اتخاذ هذه الخطوات التي تحافظ على العلاقات طويلة الأجل. حيث أن زعماء الدول لا يدومون إلى الأبد. في الواقع، في أعقاب الخسائر الواسعة التي لحقت بحزب أردوغان في الانتخابات البلدية في العام الماضي وإنشاء الأحزاب الجديدة مؤخرًا بقيادة حلفائه السابقين، بدأ الأتراك لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمن في تصور مستقبل تحت قيادة مختلفة. كما يواجه ترامب انتخابات في نوفمبر، مما يزيد من احتمال وجود قيادة جديدة على كلا الجانبين يمكن أن تؤدي إلى بداية جديدة.

إن تركيا تعتبر دولة ذات غالبية مسلمة ذات موقع استراتيجي ولديها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو. وبقدر ما تكون العلاقات مشحونة في الوقت الحالي، ستعاني المصالح الأمريكية إذا انهارت العلاقة بين البلدين تمامًا، أو إذا أصبحت تركيا خصمًا حقيقيًا للولايات المتحدة. الأطراف الوحيدون الذين سيستفيدون من شقاق أعمق بين الطرفين هم - إيران وروسيا - الذين يريدون سحب تركيا من المعسكر الغربي. وهذه نتيجة يجب على الولايات المتحدة أن تتجنبها.

*نقلاً عن دورية "فورين أفيرز"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.