.
.
.
.

القتل والقصاص.. معركة قديمة

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

في شهر أكتوبر 1932 نشرت جريدة «كوكب الشرق» مقالًا للسيد حسن القاياتى؛ المقال يتعلق بالآية القرآنية الكريمة، رقم 179 من سورة البقرة؛ (ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون)؛ قارن المقال هذه الآية بالحكمة العربية القديمة التى تقول «القتل أنفى للقتل» وتنسب الحكمة إلى «أكثم بن صيفى» أحد حكماء العرب فى الجاهلية، وانتهت مقارنة القاياتى لصالح الحكمة العربية القديمة؛ فهى كما ذهب تتكون من ثلاث كلمات فقط؛ بينما الآية تتكون من سبع كلمات؛ وعنده أن الإيجاز بلاغة وجمال وعنده أيضا أن «القتل أنفى للقتل» مستقلة بذاتها؛ تقرأ وحدها، منفردة؛ بينما الآية القرآنية متصلة بسياقها العام من السورة القرآنية؛ أى تقرأ مرتبطة بما سبقها وبما لحقها؛ وعلى هذا النحو جاءت المقالة؛ التى لم تخل من كلمات قاسية جداً فى المقارنة بحق الآية؛ وانتهى إلى أن الآية جاءت متأثرة بالحكمة القديمة!.

مقالات متعلقة

التاريخ المقدس

الصراع سياسى والرداء دينى

حكم الإنسان

لم تكن خطورة المقال فيما ورد به فقط؛ ولا فى المطبوعة التى نشرته وكان د. طه حسين يترأس تحريرها؛ ولكن فى كاتب المقال ذاته؛ هو لم يكن كاتبا ناشئا أو عادياً؛ كان شاعرًا بارزاً آنذاك، سبق له أن أصدر ديوانا شعرياً نال الكثير من الاستحسان؛ وينتمى إلى أسرة من المنيا؛ هى أسرة صوفية؛ ينتهى نسبها- فيما يقال- إلى أبى هريرة الصحابى المعروف وراوى الأحاديث النبوية؛ ولعل القارئ لاحظ أن اسمه يبدأ بلقب «السيد» وهو لقب اجتماعى دينى يضمن التميز لصاحبه؛ درس القاياتى فى الأزهر الشريف- من مواليد 1883- ولم يكمل تعليمه به؛ وتركه لينشغل بالشعر والكتابة؛ لذا كان كثيرون يعدونه من علماء الأزهر الشريف؛ وشارك فى ثورة 1919 بحماس؛ كان أحد رفاق القمص سرجيوس فى المرور على المساجد والكنائس للخطابة وتحريض المواطنين على الثورة، ويكتب المقالات بانتظام فى الصحف حول الشأن الاجتماعى ولديه اهتمام خاص بكتب وقضايا التراث؛ وسوف يختار فيما بعد- سنة 1942- عضوا بمجمع اللغة العربية، وينتخب عضوا فى مجلس النواب عن حزب الوفد؛ كان وفدياً أيضا.

مضى المقال ومر فى صمت؛ لم يشغل أحداً قدحا أو مدحا؛ ولكن قرأه الشيخ محمود شاكر؛ فكتب غاضبا إلى أستاذه مصطفى صادق الرافعى يناشده أن يرد على ما جاء بالمقال؛ ويؤكد له أن هذا واجب العلماء نحو القرآن الكريم ونحو الدين عموما؛ يقول شاكر فى رسالته «فى عنقك أمانة المسلمين جميعا لتكتبن فى الرد على هذه الكلمة الكافرة لإظهار وجه الإعجاز فى الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية منها، فإن هذه زندقة أن تركت تأخذ مأخذها فى الناس». ويقول له «أعلم أنك ملجأ يعتصم به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الأدبية التى جعلت همها أن تلغ ولوغها فى البيان القرآنى».

والواضح أن الرافعى لم يكن يتابع الصحف والمجلات بانتظام ما لم يلفت أحد انتباهه إلى بعض ما جاء بها؛ حدث ذلك من قبل سنة 1926 أيام كتاب طه حسين «فى الشعر الجاهلى»؛ وها هو الأمر يتكرر بالنسبة للسيد القاياتى؛ فقد بحث عن عدد «كوكب الشرق» حتى عثر عليها وقرأ المقال المشار إليه، فشعر بغضب شديد وقام بالرد عليه فى مقال نشر فى «البلاغ» بعنوان «كلمة مؤمنة فى رد كلمة كافرة».

سوف نجد أن الرد أخذ منحى علميا؛ برغم بعض الكلمات التى تنم عن غيظ حقيقى من الكاتب؛ وسوف نلاحظ أنه لم يجعل كاتب المقال موضوعا للرد؛ ولا شغل نفسه به كثيراً، بل كان رفيقا به، حانيا عليه فى بعض أجزاء المقال؛ وأقسى ما قال عنه «لم أكن أصدق أن فى العالم أديبا مميزاً، يضع نفسه هذا الموضع من التصفح على كلام الله وأساء الأدب فى وضع آية منه بين عثرات الكتاب، فضلا عن أن يسمو لتفضيل كلمة من كلام العرب على الآية، وأن يلج فى هذا التفضيل، فضلا عن أن يتهوس فى هذه اللجاجة، ولكن هذا قد كان ولا حول ولا قوة إلا بالله».

ركز الرافعى رده على عدة أمور من أبرزها أن الحكمة العربية «القتل أنفى للقتل»؛ ليست جاهلية ولا علاقة لها بالعرب القدماء؛ لكنها مولدة فى اللغة العربية؛ ظهرت فى العصر العباسى؛ ومن ثم فهى لاحقة على القرآن الكريم بحوالى قرنين من الزمان؛ وليست سابقة له؛ ثم راح يقارن بين عدد الكلمات؛ وأن كلمات الآية القرآنية أكثر جمالا وبلاغة.

مقال الرافعى أثار بعض الردود الأخرى؛ أحد علماء الأزهر ذهب إلى أن الحكمة ليست عباسية ولا هى مولده فى اللغة؛ بل هى قديمة بالفعل وسابقة على ظهور الإسلام؛ كما قال القاياتى وهناك من رد بأنها ليست عربية الأصل؛ لا قديمة ولا حديثة؛ لكنها مترجمة؛ هكذا ذهب الكاتب الفلسطينى محمد إسعاف النشاشيبى، وقال إنها نقلت إلى العربية عن الفارسية؛ فاعتبرها بعض العرب عربية؛ فحسبها بعضهم جاهلية وحسبها آخرون إسلامية؛ وراح الرافعى يدافع عن وجهة نظرة.

هكذا مضت المعركة أدبية/ علمية ولغوية فى المقام الأول؛ لا اتهام ولا تجريح لكاتب المقال الأول، ولا تكفير له ولا تفكير فى مقاضاته ولا المطالبة برأسه وإهراق دمه، بل يمكن القول إنه صار خارج دائرة النقاش.

سوف نلاحظ أن أهم ما ورد فى مقال القاياتى لم يحظ باهتمام كبير من الذين ناقشوا الأمر؛ وهو المفاضلة التى يجب أن تكون بين القتل والقصاص؛ الرافعى مر بها مرورا عابراً ولم يتوقف عندها؛ ذلك أن الحكمة العربية؛ تقوم على أن القتل هو الرد الضرورى على القتل؛ وسوف نلمح فى تلك الحكمة أثرا للثقافة اليهودية، التى تقوم على القتل بالقتل؛ وكان لتلك الثقافة بعض التواجد فى عدد من مناطق الجزيرة العربية؛ وغنى عن القول أن عددا من حكماء العرب، كان لديهم إلمام بتلك الثقافة وعلى دراية بها؛ وهذا ما يؤكد أنها بالفعل تعود إلى ما قبل الإسلام؛ أما القصاص فيقوم على نيل الحقوق والتراضى بين المتخاصمين ومن ثم ليس من الشرط اللازم أن يكون القتل ردا على القتل؛ هناك الدية؛ وهناك العفو والمغفرة، ويمكن أن يكون السجن عقاباً، ويفرق علماء القانون وخبراء الجريمة بين مستويات القتل، بين ما تم على سبق إصرار وترصد؛ وما وقع عن طريق الخطأ أو عن غير قصد؛ وهكذا.. ومؤخراً تابعنا حادث فتاة العياط؛ فقد قتلت شابا واعترفت بالقتل وبالتحقيق حفظت النيابة الموضوع برمته وأخلت سبيل الفتاة بضمان محل إقامتها؛ فقد خلصت النيابة إلى أن الفتاة لا تستحق أى عقوبة؛ وفى الحادث الذى عرف إعلاميا باسم «شهيد الشهامة» قضت المحكمة بالسجن على اثنين من الفاعلين لمدة 15 سنة؛ والثالث بمدة أقل؛ رغم أنهم قتلوا شاباً؛ وكان والد القتيل يطالب بإعدام الثلاثة.

لم ينتبه- كذلك- الذين ردوا على الرافعى أنه- عمليا- يتبنى فكرة «الانتحال»؛ فقد رأى أنها حكمة عباسية نسبت إلى الجاهلية؛ وهذا هو الانتحال ذاته الذى أشار إليه د. طه حسين فى كتابه عن الشعر الجاهلى؛ وحاسبه الرافعى عليه حساب الملكين.

لا يعنينا الآن- كثيراً- ما جاء فى الرد ولا فى المقال الأول؛ فقد مضى الأمر؛ بشكل علمى رصين، وروح من التحضر والرقى؛ رغم الغضب الشديد، مقال بمقال؛ رأى برأى وفكرة تحاول أن تدحض فكرة؛ وذهب كل فى طريقه.. لكن السؤال.. لماذا كان موقف الرافعى- هنا- على النقيض من موقفه سنة 1926 مع طه حسين وكتابه فى الشعر الجاهلى؟.

*نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.